• Sunday, 27 September 2026
logo

عماد طه عضو حلقة الحوار: لايزال سوقنا يراوح مكانه كسوقٍ استيرادي واستهلاكي

عماد طه عضو حلقة الحوار: لايزال سوقنا يراوح مكانه كسوقٍ استيرادي واستهلاكي

عماد طه، هو عضو "حلقة الحوار" وعضو قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وقد استعرض رؤاه وتصوراته خلال الندوة الحوارية التي نظمها "حلقة الحوار" تحت عنوان (تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة)، وذلك على النحو الآتي:

تُعدُّ الأبعادُ الاقتصاديةُ وبلورةُ مفاهيمِ السوقِ المشتركةِ من الركائزِ الاستراتيجيةِ الجوهريةِ التي تمنحُ عمليةَ "بناءِ الأمة" زَخماً واقعياً واستدامةً سيادية. وفي هذا السياقِ الحيوي، يأتي حوارُنا الراهنُ المنعقدُ تحت عنوان «تأثيرُ الاقتصادِ والسوقِ المشتركةِ في مسيرةِ بناءِ الأمة»، ليشكّلَ منصةً فكريةً رصينةً تميزت بمشاركةٍ واسعةٍ ونوعيةٍ من نُخبةٍ بارزةٍ تضمُّ صناعَ قرارٍ سياسيين، وأكاديميين مرموقين، وخبراءَ متخصصين في قطاعي الاقتصادِ والمالِ من داخلِ إقليمِ كردستان. وما يضفي على هذا المحفلِ أهميةً استثنائيةً هو الحضورُ الفاعلُ لممثلين عن بقيةِ أجزاء كوردستان، مما أتاحَ فرصةً ذهبيةً لصياغةِ رؤيةٍ استراتيجيةٍ موحدةٍ تتجاوزُ الحدودَ الجغرافيةَ المصطنعة، وتستشرفُ مستقبلاً اقتصادياً مشتركاً رغمَ جسامةِ العوائقِ الجيوسياسيةِ المحيطة.

بالعودةِ إلى الجذورِ التاريخية، نجدُ أنَّ حركيةَ التبادلِ التجاري بين أجزاء كوردستان قد ارتبطت بأنماطٍ غير رسميةٍ فُرِضت بفعلِ واقعِ النضالِ التحرري، عُرفت آنذاك بـ «التهريب». واليوم، تتجلى هذه الظاهرةُ في نشاطِ العتالة عبر الحدود «کۆڵبەرین» بين إقليمِ كوردستان وشرقِ كوردستان، وهي عمليةٌ لا تزالُ مستمرةً كاضطرارٍ معيشي، لكنها تحولت للأسفِ إلى مأساةٍ إنسانيةٍ داميةٍ بسببِ الإجراءاتِ العسكريةِ المشددةِ وعملياتِ الاستهدافِ المباشرِ التي تطالُ العتالة عبر الحدود ، مما يؤدي إلى هدرٍ مفجعٍ للطاقاتِ البشريةِ وإزهاقٍ يوميٍ لأرواحِ مواطنين كادحين لا يبتغون سوى تأمينِ الحدِ الأدنى من بژێوی وجيادِ العيش، مما يجعلُ هذا الملفَّ جرحاً نازفاً يتطلبُ معالجاتٍ تتجاوزُ البعدَ الأمني إلى الأفقِ الاقتصادي المنظم.

أما على الصعيدِ الرسمي، فيرتبطُ إقليمُ كوردستان بعلاقاتٍ تجاريةٍ متشعبةٍ وموازينِ تبادلٍ ضخمةٍ مع دولتَيْ الجوار (تركيا وإيران). بيدَ أنَّ المعضلةَ الهيكليةَ تكمنُ في أنَّ هذه المعادلةَ التجاريةَ تتسمُ باختلالٍ بنيويٍ حاد، إذ إنها تكادُ تكونُ «أحاديةَ الجانب»، محصورةً في تدفقِ الوارداتِ والسلعِ الاستهلاكيةِ من تلك الدولِ إلى أسواقِ الإقليم، في ظلِّ غيابِ قدرةٍ تصديريةٍ موازيةٍ تمكّنُ الإقليمَ من تسويقِ منتجاتِهِ الوطنيةِ بنفسِ الزخم. إنَّ مقارنةَ هذا الواقعِ بالتجاربِ العالميةِ الناجحةِ والاتحاداتِ الاقتصاديةِ الرائدة، التي تقومُ أصلاً على التكافؤِ بين الاستيرادِ والتصدير، تكشفُ بوضوحٍ أنَّ مرتبةَ الإقليمِ الاقتصاديةَ لم تبلغْ بعدُ تلك العتبةَ التي تتيحُ له التحولَ من «سوقٍ استهلاكية» تابعةٍ إلى «قوةٍ منتجة»، مما يضعُ عراقيلَ جوهريةً أمامَ مشروعِ التكاملِ القومي عبر البوابةِ الاقتصادية.

لقد ركزت طروحاتُ الحوارِ على الثرواتِ الطبيعيةِ والجيولوجيةِ الهائلةِ التي تكتنزُها أجزاءُ كوردستان الأربعة، بدءاً من المواردِ المائيةِ والتربةِ الخصبة، وصولاً إلى النفطِ والغازِ والنحاسِ والحديدِ والرخام. ومع ذلك، تظلُّ الفجوةُ الكبرى في كونِ هذه المواردِ تُصدَّرُ كموادٍ خامٍ أولية، دونَ أن تنجحَ الجهودُ في توطينِ صناعاتٍ تحويليةٍ وطنيةٍ تجعلُ من هذه المدنِ مراكزَ صناعيةً كبرى. ففي قطاعِ الطاقة، ورغمَ الإنتاجِ الرسمي للنفط، يفتقرُ الإقليمُ إلى صناعاتٍ بتروكيمياويةٍ متطورةٍ قادرةٍ على استنباطِ مئاتِ المشتقاتِ والبرانداتِ الكورديةِ وتصديرِها للخارج. وينسحبُ هذا القصورُ على القطاعِ الزراعي أيضاً، فمحاصيلُ شهيرة كـ «رمانِ حلبجة» و«تفاحِ برواري» لم تتحولْ بعدُ إلى صناعاتٍ غذائيةٍ تعليبيهٍ عالمية، ورغمَ المساعي الحثيثةِ للكابينةِ الحكوميةِ التاسعةِ في إيجادِ منافذَ تسويقيةٍ دولية، إلا أنَّ النتائجَ لم تصلْ بَعْدُ لمستوى الطموحِ المنشود.

إنَّ العقدةَ المركزيةَ تكمنُ في الواقعِ السياسي المفروضِ بكونِ الكُوردِ «أمةً بلا دولة»، مما شتتَ القوةَ الاقتصاديةَ بين أربعةِ أنظمةٍ وقوانينَ متباينة، جعلت اقتصادَ كلِّ جزءٍ تابعاً وظيفياً لعاصمةِ الدولةِ التي يتبعُها بدلاً من التكاملِ مع بقيةِ الأجزاء. وفي هذا المشهدِ المعقد، يبرزُ إقليمُ كوردستان كبيئةٍ واعدةٍ لاستقطابِ المستثمرين الكُردِ ورؤوسِ الأموالِ من المغتربين، إلا أنَّ الحكومةَ المركزيةَ في بغداد، ومنذُ أكثرَ من اثني عشرَ عاماً، تشنُّ حرباً اقتصاديةً وتجاريةً ممنهجةً ضدَّ الإقليم، شملت قطعَ الأرزاقِ وعرقلةَ وصولِ المنتجاتِ المحليةِ إلى المحافظاتِ العراقية، سعياً لتقويضِ ركائزِ استقلالهِ الاقتصادي.

ختاماً، فإنَّ العبورَ نحو «سوقٍ مشتركة» يتطلبُ تبني استراتيجياتٍ جسورة، يأتي في مقدمتِها سعيُ حكومةِ إقليمِ كوردستان لتأسيسِ «مناطقَ تجاريةٍ حرة» على تخومِ الحدودِ مع تركيا وإيران وسوريا. إنَّ هذا المقترحَ يهدفُ إلى خلقِ فضاءاتٍ اقتصاديةٍ مرنةٍ تسمحُ بانسيابيةِ السلعِ والمنتجاتِ بين أجزاء كوردستان بعيداً عن قيودِ الضرائبِ والرسومِ الجمركيةِ المرهقة، مما سيؤدي بالضرورةِ إلى تحفيزِ قطاعِ الإنتاجِ القومي، وتوطيدِ الروابطِ البينية، وتحويلِ الاقتصادِ إلى قاطرةٍ حقيقيةٍ تقودُ طموحاتِ الشعبِ الكوردستاني نحو الوحدةِ والرفاهِ والازدهارِ الشاملِ في مواجهةِ تحدياتِ العصر.

Top