أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض
رصدت دراسة دولية جديدة عن جينات وتغيرات وراثية قد تزيد من خطر الإصابة بسرطاني الثدي والمبيض اكتشافاً قد يساعد على تفسير حالات ظلت أسبابها الوراثية مجهولة رغم خضوع أصحابها للفحوص الجينية التقليدية.
تحليل شامل للجينات
وأظهر تحليل شامل للجينات أن عدداً من التغيرات التي حددها الباحثون يرتبط بعمليات إصلاح تلف الحمض النووي (دي إن إيه) DNA، والحفاظ على استقرار الجينوم، وهما آليتان أساسيتان لحماية الخلايا من التغيرات التي قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان. ويرى الباحثون أن هذه الجينات قد تصبح أهدافاً مهمة للفحوص الجينية لدى العائلات التي يُشتبه في وجود استعداد وراثي لديها للإصابة بسرطاني الثدي، والمبيض.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتجه فيه الأبحاث الطبية إلى توسيع نطاق البحث عن عوامل الخطر الوراثية بدلاً من التركيز على عدد محدود من الجينات المعروفة، وعلى رأسها BRCA1، وBRCA2.
ويُعد سرطان الثدي من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، إذ تُصاب به نحو امرأة واحدة من كل ثماني نساء خلال حياتها. ورغم أن معظم الحالات لا تكون وراثية، فإن نحو 5 إلى 10 بالمائة منها ترتبط باستعداد جيني موروث. وتوجد حالياً مجموعة من الجينات المعروفة بارتباطها بزيادة خطر الإصابة، وتستخدم لوحات متعددة الجينات في بعض برامج الفحص للكشف عن التغيرات المرتبطة بالسرطان. لكن هذه الاختبارات لا تقدم تفسيراً لجميع الحالات التي يُشتبه في وجود عامل وراثي وراءها.
فحص شامل لـ134 سيدة
وقاد الدراسة باحثون من معهد علم الوراثة البشرية في كلية هانوفر الطبية بالتعاون مع معهد علم الوراثة البشرية في جامعة أوغسبورغ، والمستشفى الجامعي في أوغسبورغ بألمانيا. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «npj Breast Cancer» في 30 يونيو (حزيران) 2026.
وحلل الفريق المجموعة الكاملة من الجينات إلى جانب نشاطها في عينات دم مأخوذة من 134 سيدة أصبن بسرطان الثدي، أو سرطان المبيض، أو بكليهما. وكانت جميع المشاركات قد خضعن سابقاً للفحوص الروتينية للجينات المعروفة المرتبطة بخطر الإصابة، لكنها لم تكشف عن سبب وراثي واضح لحالاتهن.
تغيرات وراثية نادرة
وأظهر التحليل وجود عدد من الجينات والتغيرات الوراثية النادرة التي قد تسهم في زيادة الاستعداد للإصابة بالسرطان. وكان من اللافت أن بعض هذه الجينات ارتبط في السابق بصورة أساسية بأمراض وراثية نادرة، والتي تتطلب عادةً حدوث تغيرات ضارة في نسختي الجين واحدة موروثة من كل والد.
لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن تغيراً في نسخة واحدة فقط من بعض هذه الجينات قد يكون كافياً لزيادة القابلية للإصابة بسرطاني الثدي، أو المبيض.
وتقول الدكتورة دوريس شتاينمان إن النتائج تسلط الضوء على أهمية جينات إضافية تؤدي أدواراً رئيسة في إصلاح الحمض النووي، والحفاظ على استقرار الجينوم، ما يجعلها جينات مرشحة جديدة لدى العائلات التي يُشتبه في وجود استعداد وراثي لديها.
ومع ذلك يؤكد الباحثون أن هذه الجينات لا تزال جينات مرشحة، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى قوة ارتباط كل تغير وراثي بخطر الإصابة بالسرطان.
الهند توسع نطاق الفحوص الجينية
وتتوافق هذه النتائج مع اتجاه بحثي متزايد في دول أخرى نحو توسيع الفحوص الجينية لتشمل عدداً أكبر من الجينات. ففي مراجعة حديثة نُشرت في دورية «Cancer Medicine» في 24 يوليو (تموز) 2026، استعرض باحثون في الهند -برئاسة كارثيك أودوبا في قسم طب الأورام بكلية كاستوريا الطبية- أحدث التطورات في تشخيص وإدارة متلازمة سرطان الثدي والمبيض الوراثي، مشيرين إلى أهمية الانتقال من التركيز على جيني BRCA1 وBRCA2 إلى استخدام تقنيات التسلسل الجيني من الجيل التالي، ولوحات الجينات المتعددة.
وتوضح المراجعة أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد على تحديد تغيرات وراثية إضافية لدى الأشخاص والعائلات المعرضين للخطر، بما يسمح بتطوير خطط أكثر تخصيصاً للكشف المبكر، وتقليل المخاطر، وإدارة المرض. كما تدعم هذه المقاربة العمل ضمن فرق متعددة التخصصات تضم أطباء الأورام، وعلماء الوراثة، وغيرهم من المتخصصين.
ويعكس الجمع بين الدراستين تحولاً مهماً في فهم سرطان الثدي والمبيض الوراثي، فغياب طفرة معروفة في BRCA1 أو BRCA2 لا يعني بالضرورة غياب الاستعداد الوراثي للمرض.
ومع استمرار توسع مشاريع تسلسل الجينوم، وتراكم البيانات الوراثية، يأمل العلماء في تحديد المزيد من الجينات النادرة المرتبطة بالسرطان، ما قد يقلل عدد الحالات التي تبقى من دون تفسير وراثي، ويمنح العائلات المعرضة للخطر فرصاً أفضل للتشخيص المبكر، والرعاية الشخصية.
الشرق الاوسط
