العراق وإقليم كوردستان أمام مرحلة جديدة: إلى أين تقود الضغوط الأمريكية والتحولات الإقليمية؟
كامران صالحي
يشهد العراق، ومعه إقليم كوردستان، واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ عام 2003، ليس فقط بسبب استمرار الأزمات الداخلية المزمنة المتعلقة ببناء الدولة وتوزيع السلطة والثروة، وإنما أيضاً بسبب التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به. فالتصعيد في الصراع الأمريكي–الإيراني، وتزايد الضغوط التي تمارسها واشنطن على بغداد، وطرح ملف حصر السلاح بيد الدولة بصورة أكثر إلحاحاً، إلى جانب إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في العراق، كلها عوامل تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة قد تختلف في طبيعتها عن المراحل السابقة.
ولا يقف إقليم كوردستان خارج هذه المعادلة. بل يبدو، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة والغرب، وقربه من إيران وتركيا، فضلاً عن مشكلاته المزمنة مع الحكومة الاتحادية، أحد أكثر الأطراف العراقية تأثراً بالتحولات الجارية. ومن هنا فإن السؤال لم يعد مقتصراً على مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد، وإنما يمتد إلى موقع العراق والإقليم في النظام الإقليمي الجديد الذي يجري تشكيله تحت ضغط القوة والصراع والمصالح الدولية.
لعراق بين واشنطن وطهران: نهاية سياسة التوازن؟
اعتمد العراق طوال سنوات على سياسة دقيقة تقوم على محاولة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران. فقد احتاج إلى واشنطن في المجالات المالية والعسكرية والدبلوماسية، في الوقت الذي ارتبط فيه بإيران بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية واسعة. وأتاحت هذه المعادلة لبغداد، بدرجات متفاوتة، تجنب الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين.
غير أن التطورات الأخيرة تجعل استمرار هذه السياسة أكثر صعوبة. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى النفوذ الإيراني في العراق باعتباره مجرد نتيجة طبيعية للجغرافيا والعلاقات التاريخية، وإنما باتت تربط بصورة متزايدة بين مستقبل علاقتها مع بغداد وبين قدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها على المجالين الأمني والمالي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في العقوبات الأمريكية التي طالت خلال عام 2026 قيادات في جماعات مسلحة عراقية مرتبطة بإيران، وكذلك شخصيات وكيانات اتهمتها واشنطن باستخدام قطاعات اقتصادية عراقية لخدمة شبكات مرتبطة بطهران. كما أصبح ملف السلاح خارج السيطرة المباشرة للدولة جزءاً مركزياً من العلاقة بين بغداد وواشنطن.
وبذلك تنتقل الضغوط الأمريكية تدريجياً من المستوى الدبلوماسي إلى مستوى أكثر تأثيراً يتعلق بالمال والطاقة والمصارف والعلاقات الاقتصادية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في النظام المالي العراقي تمنحها أوراق ضغط ربما تكون أكثر فاعلية من الضغط العسكري المباشر.
فالعراق دولة نفطية تعتمد بدرجة كبيرة على عائداتها بالدولار، كما أن ارتباط جزء مهم من عملياته المالية بالنظام المالي الدولي يجعل أي قيود أمريكية واسعة النطاق ذات آثار محتملة تتجاوز الحكومة لتصل إلى الاقتصاد والمصارف وسعر العملة والاستثمار.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس في اختيار واشنطن أو طهران، بل في الانتقال من سياسة التوازن بين قوتين خارجيتين إلى سياسة استقلال القرار العراقي عنهما.
حصر السلاح: اختبار الدولة العراقية
قد يكون ملف الجماعات المسلحة أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
فالولايات المتحدة تضغط باتجاه إنهاء قدرة الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة عن الحكومة العراقية، في حين ترى بعض هذه الجماعات أن سلاحها مرتبط بمواجهة الوجود والنفوذ الأمريكيين وباعتبارات أمنية وإقليمية أوسع.
وهنا تظهر معضلة الدولة العراقية: هل تستطيع تحويل مبدأ «حصر السلاح بيد الدولة» من شعار سياسي متكرر إلى سياسة مؤسساتية فعلية؟
المسألة لا تتعلق بجمع الأسلحة فحسب. إنها تتعلق بمفهوم الدولة ذاته. فالدولة الحديثة لا تستطيع ممارسة سياسة خارجية مستقلة إذا كانت هناك جهات داخل أراضيها قادرة على اتخاذ قرار الحرب أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بصورة قد تجر البلاد إلى مواجهة لم تتخذ مؤسساتها الدستورية قراراً بشأنها.
لكن معالجة هذه المشكلة بالقوة وحدها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وربما تفتح الباب أمام صدام داخلي خطير. ولذلك تحتاج بغداد إلى عملية سياسية وأمنية وقانونية متدرجة تدمج المؤسسات والقوى القابلة للاندماج ضمن أجهزة الدولة، وتمنع في الوقت ذاته وجود هياكل عسكرية مستقلة عن سلسلة القيادة الرسمية.
والنجاح في ذلك سيكون مؤشراً حقيقياً على انتقال العراق من مرحلة «إدارة التوازنات» إلى مرحلة بناء الدولة.
الانسحاب الأمريكي لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي
من الأخطاء المحتملة النظر إلى إعادة ترتيب أو إنهاء المهمة العسكرية الأمريكية باعتبارها نهاية للدور الأمريكي في العراق.
فالنفوذ الأمريكي في العراق لا يعتمد حصراً على عدد الجنود الموجودين على الأرض. للولايات المتحدة أدوات مالية واقتصادية ودبلوماسية وأمنية واسعة، كما أن العلاقة بين العراق والنظام المالي العالمي تمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير.
ولهذا قد نشهد مفارقة مهمة: تراجع الوجود العسكري الأمريكي بالتزامن مع تصاعد الضغط السياسي والمالي الأمريكي.
وهذه المعادلة تضع بغداد أمام مسؤولية مضاعفة. فمن جهة، تحتاج إلى تأكيد سيادتها ورفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل طبيعة ارتباط اقتصادها ومؤسساتها المالية بالاقتصاد العالمي وبالولايات المتحدة بصورة خاصة.
إقليم كوردستان: من هامش الصراع إلى قلبه
كان الاعتقاد لفترة طويلة أن إقليم كوردستان يستطيع المحافظة على موقع آمن نسبياً بعيداً عن الصراعات الإقليمية الكبرى. إلا أن أحداث عام 2026 أظهرت محدودية هذه الفرضية.
فالإقليم تعرض لموجات واسعة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وطالت التهديدات مواقع أمنية واقتصادية ومنشآت مرتبطة بالطاقة ومناطق مدنية. وبذلك لم يعد الموقع الجغرافي للإقليم مجرد ميزة استراتيجية، بل أصبح أيضاً مصدراً للمخاطر.
ويواجه الإقليم اليوم معضلة متعددة الأبعاد.
فهو يحتاج إلى الولايات المتحدة والغرب بوصفهما شريكين مهمين في الأمن والاستثمار والعلاقات الدولية، ويحتاج في الوقت ذاته إلى علاقة مستقرة مع إيران بسبب الجغرافيا والتجارة والأمن الحدودي. كما يحتاج إلى تركيا بوصفها شريكاً اقتصادياً وممراً أساسياً للطاقة والتجارة، ولا يستطيع في الوقت نفسه تجاوز بغداد باعتبارها صاحبة الاختصاصات السيادية الاتحادية والمصدر الأساسي لجزء كبير من موارده المالية.
وهذه العلاقات الأربع — واشنطن، بغداد، طهران وأنقرة — تشكل البيئة الاستراتيجية التي يتحرك ضمنها إقليم كوردستان.
وأي خلل كبير في واحدة منها يمكن أن ينعكس مباشرة على أمن الإقليم واقتصاده.
المشكلة الداخلية الكوردستانية
غير أن الخطر الخارجي ليس التحدي الوحيد.
فمن الصعب على إقليم كوردستان مواجهة بيئة إقليمية مضطربة وهو يعاني في الوقت ذاته من انقسامات سياسية داخلية وتأخر في استكمال مؤسساته التنفيذية، إلى جانب الأزمات المتكررة بشأن الرواتب والعائدات النفطية والعلاقة المالية مع بغداد.
إن استمرار الخلافات بين القوى السياسية الرئيسية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلاف حزبي حول المناصب أو توزيع السلطات، لأن انعكاساته أصبحت تمس القدرة الاستراتيجية للإقليم على التفاوض مع بغداد والتعامل مع الدول المجاورة ومواجهة المخاطر الأمنية.
في المراحل المستقرة يمكن للنظام السياسي أن يتحمل قدراً كبيراً من التنافس الداخلي، لكن في المراحل التي يعاد فيها تشكيل التوازن الإقليمي يصبح الانقسام الداخلي نقطة ضعف استراتيجية.
ولهذا فإن تشكيل مؤسسات سياسية مستقرة وتوحيد القرار الأمني والسياسي لم يعد مجرد مطلب إصلاحي داخلي، وإنما أصبح جزءاً من متطلبات الأمن القومي للإقليم.
بغداد وأربيل: الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة
تقدم التطورات الحالية فرصة، رغم خطورتها، لإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل.
لقد استنزفت الخلافات المتعلقة بالنفط والموازنة والرواتب والاختصاصات الطرفين طوال سنوات. وفي كثير من الأحيان تحولت القضايا الدستورية إلى أدوات للصراع السياسي، بينما بقيت المشكلات الأساسية من دون حلول نهائية.
لكن البيئة الإقليمية الحالية تفرض منطقاً مختلفاً.
فإضعاف بغداد لا يخدم أربيل في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية، كما أن إضعاف إقليم كوردستان لا يقوي الدولة العراقية. والعكس هو الصحيح: وجود حكومة اتحادية قوية دستورياً، وإقليم مستقر يتمتع بحقوقه الدستورية، يمكن أن يشكلا معاً قاعدة أكثر صلابة لحماية العراق.
وهذا يتطلب الانتقال من منطق «من يحصل على ماذا؟» إلى منطق «كيف نبني شراكة اتحادية قابلة للاستمرار؟».
ويقتضي ذلك معالجة الملفات المالية والنفطية ضمن ترتيبات قانونية مستقرة، وعدم إبقاء رواتب المواطنين جزءاً من النزاعات السياسية، وتفعيل المؤسسات الدستورية المختصة بحل الخلافات، وتعزيز التنسيق الأمني بين القوات الاتحادية والبيشمركة، ولا سيما في المناطق التي تشكل فراغات أمنية محتملة.
الخطر الاقتصادي: الحلقة الأضعف
قد تكون التداعيات الاقتصادية للصراع أخطر على المدى الطويل من المواجهات العسكرية نفسها.
فإقليم كوردستان يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع الطاقة وعلى علاقاته التجارية مع دول الجوار، ولذلك فإن استمرار استهداف المنشآت النفطية والغازية أو انسحاب الشركات الأجنبية أو تجميد استثماراتها يمكن أن يضاعف الأزمة المالية.
كما أن العراق عموماً ما زال يعتمد اعتماداً استثنائياً على النفط في تمويل الدولة. وهذا يعني أن أي اضطراب طويل في الإنتاج أو التصدير أو النظام المالي سيضع بغداد وأربيل معاً أمام تحديات كبيرة.
ومن هنا تظهر ضرورة النظر إلى التنويع الاقتصادي باعتباره قضية أمن قومي، وليس مجرد برنامج اقتصادي.
فالاقتصاد الذي يعتمد على مورد واحد يكون أكثر عرضة للضغط الخارجي، بينما يمنح تنويع مصادر الدخل الدولة والإقليم مساحة أوسع لاتخاذ قرارات سياسية مستقلة.
هل تستطيع واشنطن إعادة تشكيل المعادلة العراقية؟
تمتلك الولايات المتحدة أوراق ضغط قوية، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل العراق.
فالمجتمع العراقي شديد التعقيد، والنفوذ الإيراني في البلاد ليس ظاهرة عسكرية فقط، وإنما يمتلك أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية تراكمت على مدى عقود.
لذلك فإن محاولة إنهاء هذا النفوذ بصورة سريعة وقسرية قد تنتج اضطراباً بدلاً من الاستقرار.
وفي المقابل، فإن استمرار الوضع السابق لم يعد مضموناً أيضاً. فقد أصبحت واشنطن أكثر استعداداً لاستخدام العقوبات والأدوات المالية ضد الشبكات التي تعتبرها امتداداً للنفوذ الإيراني.
والخيار الأكثر عقلانية بالنسبة للعراق يتمثل في عدم السماح بأن تتحول البلاد إلى ساحة مواجهة بين المشروعين الأمريكي والإيراني.
فالعراق ليس مضطراً لأن يكون أمريكياً أو إيرانياً. المطلوب أن يكون عراقياً أولاً، وأن تبنى علاقاته الخارجية على أساس المصالح الوطنية المتبادلة.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
يمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية.
السيناريو الأول: نجاح الدولة في استعادة التوازن.
وفيه تتمكن بغداد من احتواء الجماعات المسلحة تدريجياً، وتعيد تنظيم علاقتها مع واشنطن وطهران، وتحافظ على علاقات متوازنة مع الدول العربية وتركيا، بالتوازي مع تسوية مستدامة مع إقليم كوردستان. وهذا هو السيناريو الأفضل، لكنه يحتاج إلى توافق سياسي داخلي وإرادة مؤسساتية قوية.
السيناريو الثاني: استمرار سياسة إدارة الأزمات.
وفيه لا تحدث مواجهة كبرى ولا تسوية حقيقية. تستمر الخلافات بين بغداد وأربيل، وتبقى قضية السلاح دون حل نهائي، وتتواصل الضغوط الأمريكية مع محاولات عراقية لاحتوائها. وهذا ربما يكون السيناريو الأسهل على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر تراكمية كبيرة.
السيناريو الثالث: تحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وهو السيناريو الأخطر، حيث يؤدي تصاعد المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى استخدام الأراضي العراقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتتعرض المصالح والمنشآت لهجمات متبادلة وتتضرر قطاعات الطاقة والاستثمار والتجارة، ويجد إقليم كوردستان نفسه في قلب المواجهة بحكم موقعه وعلاقاته الدولية.
ومن هنا فإن منع السيناريو الثالث يجب أن يشكل أولوية وطنية مشتركة لبغداد وأربيل.
ماذا ينبغي على إقليم كوردستان أن يفعل؟
تحتاج القيادة السياسية في الإقليم إلى إعادة تقييم شاملة لأولويات المرحلة المقبلة.
أولاً، ينبغي الإسراع في إنهاء الخلافات الداخلية وتفعيل المؤسسات، لأن وحدة القرار السياسي في الظروف الاستثنائية أهم من المكاسب الحزبية الآنية.
ثانياً، يجب تطوير العلاقة مع بغداد من علاقة تقوم على إدارة الأزمات إلى شراكة استراتيجية، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي وحماية الحدود والطاقة والسياسة الخارجية.
ثالثاً، ينبغي للإقليم أن يحافظ على علاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ولكن من دون أن يتحول إلى منصة للصراع مع إيران.
رابعاً، يحتاج الإقليم إلى سياسة واضحة تجاه طهران تقوم على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل المتبادل، مع التأكيد في الوقت نفسه أن أمن أراضي الإقليم وسكانه خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
خامساً، ينبغي إعادة بناء الاستراتيجية الاقتصادية للإقليم، عبر تقليل الاعتماد على النفط، وتشجيع الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار والتكنولوجيا، وربط التنمية الاقتصادية بمفهوم الأمن القومي.

گولان میدیا