• Saturday, 05 September 2026
logo

بين شغف الوثيقة وشهقة الغياب ... اللحظات الأخيرة في حياة البروفيسور عبد الفتاح البوتاني

بين شغف الوثيقة وشهقة الغياب ... اللحظات الأخيرة في حياة البروفيسور عبد الفتاح البوتاني

نوزت دهوكي /دهوك

كانت الساعات تتسرب دافئةً هادئة تحت ستار الليل في قرية  “پشتگرکي" الجبلية الخلابة شمال دهوك ، حيث أجتمعنا في مزرعة صديقنا الجليل ، الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني ، الذي غمرنا بكرمه ولطفه المعهود .. كنا جمعاً يربطه الوفاء والود : أنا ، والدكتور بهدين جلال بالطه ، والأخ شيرزاد مختار ، والأخ خالد توفيق .

قضينا وقتاً ممتعاً يفيض بأنس الحديث وأصالة الصحبة حتى ساعة متأخرة من الليل ، وقبل أن نفترق ونعود إلى بيوتنا في دهوك  .. حيث سلك الأخ شيرزاد طريق العودة مع الدكتور بهدين في سيارته ، وعدتُ أنا والأخ خالد مع الدكتور عبد الفتاح في سيارته  .. كنا قد عقدنا العزم واتفقنا ( أنا والدكتور  عبد الفتاح والأخ خالد ) على الذهاب صباح الغد إلى الموصل لتقديم واجب العزاء لصديقنا الأخ سبهان نايف الحيو في رحيل ولده .

أشرقت الشمس صباح الثلاثاء الأول من أيلول 2026 وفي تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً ، وفي الموعد المتفق عليه تماماً ، أقبل الدكتور عبد الفتاح في سيارته الفارهة برفقة الأخ خالد .. كانت ملامحه تفيض بالنشاط والرغبة الصادقة في أداء واجب الصحبة .. ركبت معهما السيارة ، ومضينا نطوي الطريق الممتد من دهوك بإتجاه الموصل ، والحديث ينساب بيننا دافئاً كما كان في الليلة السابقة .

وصلنا مدينة الموصل في حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً  .. كان الوقت باكراً ؛ إذ جرت عادة أهل الموصل على إقامة مجالس العزاء بعد الظهر ، إبتداءً من الساعة الثانية ، ولما كان أمامنا متسعٌ من الوقت ، أقترح الدكتور عبد الفتاح بشغفه المعهود بالبحثِ ، أن نستغل هذه الساعات ؛ فتوجهنا إلى بعض أصدقائه الموصليين الذين كانوا قد وعدوه بتوفير بعض الوثائق التاريخية المهمة التي كان يحتاجها لتضمينها في كتابه الجديد الذي كان يعكف على تأليفه .

جلسنا جميعاً ، نتبادل أطراف الحديث الدافىء ونرتشف أقداح الشاي وفناجين القهوة ، والأوراق التاريخية تنتقل بين الأيدي بروح البحث الشغوفة .. كان المؤرخ الكبير بين أصدقائة يفيض حيويةً وحضوراً إنسانياً راقياً ، ولكن  .. وبينما كانت الجلسة في أُوج أنسها ، وأقداح الشاي لم تبرد بعد .. توقف كل شيء .

فجأة ، وبلا إنذار ، لاحظت أنا والأخ خالد ، شحوباً مباغتاً يعلو وجه الدكتور عبد الفتاح ، وإصفراراً خاطفاً يكسو ملامحه الهادئة  .. أنفرجت شفتاه ، وبدأت تصدر منه شهقات الموت ونزعات الوداع الأخير .

هرعنا إليه بلهفةٍ يعصرها الخوف ، أنا والأخ خالد ، ونحن نناديه بصوت يملؤه الذهول والرجاء ( يا دكتور .. يا دكتور ! ) ، لكن دون جواب .. قمنا بتدليك صدره وأكتافه ويديه علّه يفيق من إغماءته المباغتة وتعود إليه الحياة ، غير أن الجسد الجليل كان يستسلم لنداء ربه ، وأمام هذا الإنسداد وسرعة اللحظة ، أتصلنا فوراً بالإسعاف عبر الهاتف لعلّ معجزةً تلحق بتلك الروح الطاهرة .

وصلت سيارة الإسعاف مسرعة ، فصعدتُ فيها إلى جوار جسد الدكتور عبد الفتاح أرقب أنفاسه بقلبٍ وجل ، بينما طلبتُ من الأخ خالد أن يتبعنا بسيارة الدكتور التي أتينا بها صباحاً .. طوت الإسعاف ، الشوارع نحو جناح الطوارىء في مستشفى " أم الربيعين" .

وهناك أُدخل الدكتور ومُدد جسده فوق سرير الفحص الطبي .. أسرع الأطباء ينظرون إليه ، قبل أن يلتفتوا إليّ ليعلنوا بصوت ثقيل أنه قد فارق الحياة ، حينها أنهمر الذهول والرفض في صدري ،فاعترضتُ عليهم بشرارة الأمل الأخيرة قائلاً بصرخة الوفاء والفجيعة : " إنّ هذا هو الدكتور البروفيسور عبد الفتاح البوتاني ! المتخصص بالتاريخ وصاحب المؤلفات الرائعة .. عليكم فحصه بدقة وبذل أقصى الجهود في إسعافه علّه يفيق وتعود إليه الحياة ! " .

عند ذاك ، وبعد سماعهم لصرختي الممزوجة بالرجاء ، أجتمع على جسده الطاهر جميع الأطباء الذين كانوا في الصالة الطبية ، ومعهم الكادر الفني الطبي المعالج .. تكاتف الجميع في محاولةٍ مستميتة ؛ بدأوا بإنعاشه عبر التنفس الاصطناعي ، وتدليك الصدر المتواصل ، واستخدموا الرجات الكهربائية لعله يفيق وتسترد أجهزة الجسد نبضها .. لكن دون فائدة .

أخيراً توقفت الأجهزة ، وتراجع الأطباء خطوة إلى الخلف ، وقالوا بأسى ثقيل : " يرحمه الله " .

في تلك اللحظة بالذات ، أنكسر كل شيء .. أنهارت قِواي ، وسقطتُ على الأرض خائر الأنفاس باكياً ، بينما طاف الوجع بأرجاء المكان  .. فاضت الروح الزكية إلى بارئها ، واستراح المؤرخ الكبير والباحث القدير من رحلة الدنيا ، ليُسدل الستار على حياةٍ حافلة بالفكر والعمل والنبل الإنساني .

رحل الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني وهو يحمل في يده شغف الوثيقة ، وفي قلبه نبل المواساة والوفاء ، وفي مجلسه أُنس القهوة والصداقة … تغير مجرى الرحلة ليكون هو الراحل المتبوع بالدموع ، وليترك في قلوبنا جرحاً لا يندمل ، وذكراً شامخاً بشموخ الجبال التي أحتضنت ليلتنا الأخيرة معه .

رحِمك َ الله يا أبا بَردل وغفر لك ، وأسكَنَكَ أعلى جِنانه .

Top