الفيدرالية التي لم تكتمل
اراس جواد
منذ إقرار الدستور العراقي الجديد، أصبحت الفيدرالية جزءاً من الحياة السياسية في العراق. لكنها، رغم مرور كل هذه السنوات، ما زالت تثير نقاشاً وكأنها فكرة جديدة تحتاج في كل مرة إلى من يدافع عنها أو يشرحها. المفارقة أن الدستور حسم المسألة من حيث المبدأ، لكن الممارسة السياسية لم تحسمها بنفس الوضوح.
العراق دولة اتحادية، وهذه ليست وجهة نظر سياسية أو مطلباً من طرف معين، وإنما حقيقة دستورية. ومع ذلك، ما زالت طريقة إدارة الدولة تحمل في كثير من الأحيان آثاراً واضحة من التفكير المركزي الذي عرفه العراق لعقود طويلة. وكأن تغيير النظام السياسي كان أسرع من تغيير العقل السياسي الذي يدير هذا النظام. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الفيدرالية لم تأت إلى العراق لأن أحداً أراد أن يضعف الدولة أو أن يقسمها. جاءت في سياق بلد مر بتجارب قاسية، وأصبح واضحاً فيه أن إدارة التنوع بالقوة أو بالمركزية الشديدة لا تنتج دولة مستقرة. العراق بلد متعدد المكونات ، وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها. المشكلة تبدأ عندما نحاول التعامل مع هذا التعدد وكأنه أمر ينبغي التخلص منه. ولعل تجربة إقليم كوردستان هي أوضح اختبار لهذه المسألة. فعلى مدى سنوات طويلة، كانت العلاقة بين بغداد وأربيل تتحرك بين التفاهم والخلاف، وبين الاتفاق السياسي والأزمة الجديدة. النفط، الموازنة، الرواتب، الصلاحيات، المنافذ وغيرها من الملفات أصبحت عناوين متكررة في هذه العلاقة.
لكن ربما نحن بحاجة إلى النظر إلى الصورة من زاوية أخرى. هل هذه الأزمات هي المشكلة فعلاً، أم أنها نتيجة لمشكلة أعمق تتعلق بكيفية فهم النظام الاتحادي نفسه؟
لأن الدولة التي تحتاج في كل مرة إلى اتفاق سياسي حتى تنظم علاقة دستورية، تكون أمام مشكلة تتجاوز تفاصيل الاتفاق.
الدستور وضع إطاراً للعلاقة، لكن السياسة كثيراً ما تتعامل مع هذا الإطار بحسب الظروف وموازين القوى. وفي لحظة معينة يكون الاحتكام إلى الدستور هو الحل، وفي لحظة أخرى يبدأ البحث عن تسوية سياسية جديدة. التسويات السياسية مهمة، خصوصاً في بلد مثل العراق. لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن المؤسسات. وهذا الأمر لا يتعلق بكوردستان وحدها. إذا كانت الفيدرالية تعني أن هناك مستويات مختلفة للحكم، فإن نجاحها يحتاج إلى أن تكون العلاقة بينها واضحة ومستقرة. الإقليم، والمحافظات، والحكومة الاتحادية، كلها تحتاج إلى تعريف حدود مسؤولياتها وحقوقها، والأهم أن تكون هناك ثقة بأن هذه الحدود لن تتغير كلما تغيرت الظروف السياسية.
ربما واحدة من أكبر مشكلات التجربة العراقية هي أننا ما زلنا ننظر إلى كثير من القضايا بمنطق الصراع على السلطة، أكثر مما ننظر إليها بمنطق تنظيم السلطة. وهذا فرق كبير. عندما تنظر بغداد إلى صلاحيات الإقليم باعتبارها شيئاً انتزع منها، فستبقى العلاقة قائمة على الشد والجذب. وعندما ينظر الإقليم إلى كل خطوة من المركز باعتبارها محاولة للعودة إلى الماضي، ستكون الثقة صعبة أيضاً.
المطلوب ليس أن يتنازل طرف للآخر. المطلوب أن تصبح قواعد الدولة نفسها أقوى من الخلافات السياسية. وهنا أعتقد أن العراق أمام سؤال يستحق أن يناقش بهدوء، هل نريد فعلاً دولة اتحادية، أم أننا قبلنا بالفيدرالية دستورياً لكننا ما زلنا نبحث عن دولة مركزية بصيغة جديدة؟ هذا السؤال ليس موجهاً إلى طرف واحد. فالفيدرالية مسؤولية على الجميع، وهي تحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة جيدة، واحترام للقانون، وقدرة على ممارسة الصلاحيات بطريقة مسؤولة. ومن الخطأ أن تتحول الفيدرالية إلى مجرد وسيلة للدفاع عن الحقوق عندما تكون هناك أزمة، ثم نتوقف عن الحديث عنها عندما تهدأ الأزمة.
الفيدرالية مشروع دولة، ولهذا فإن النقاش حول مستقبل العراق لا ينبغي أن يبقى محصوراً في السؤال عن من يملك صلاحية أكثر ومن يحصل على حصة أكبر من الموازنة. هذه تفاصيل مهمة، لكنها ليست الصورة كلها. الصورة الأكبر هي شكل الدولة التي نريد أن نعيش فيها.
العراق لن يصبح أكثر استقراراً إذا حاول أن يجعل الجميع متشابهين، ولن يصبح أكثر قوة إذا اعتقد أن قوة المركز تعني بالضرورة ضعف الأطراف. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تستوعب اختلاف مواطنيها ومناطقها ومكوناتها، وأن تجعل هذا الاختلاف جزءاً من استقرارها وليس سبباً دائماً لأزماتها.
لقد مضت سنوات على كتابة الدستور، وربما حان الوقت لأن ننتقل من مرحلة الدفاع عن فكرة الفيدرالية إلى مرحلة التفكير في كيفية إنجاحها. العراق اليوم بحاجة إلى أن يحسم هذه المسألة بهدوء. إما أن تكون الفيدرالية خياراً حقيقياً في بناء الدولة، بكل ما يترتب على ذلك من حقوق وصلاحيات ومسؤوليات، أو تبقى مجرد نص دستوري تحكمه الظروف السياسية. وبين الخيارين ستتحدد طبيعة العراق في المرحلة المقبلة.
