• Monday, 31 August 2026
logo

مرجعية الرئيس مسعود بارزاني في فلسفة إدارة الدولة: الأبعاد التاريخية والدستورية لحماية كيان الإقليم

مرجعية الرئيس مسعود بارزاني في فلسفة إدارة الدولة: الأبعاد التاريخية والدستورية لحماية كيان الإقليم

رەنج باراوی

إن المتأمل في مسيرة الأمم الحية يدرك أن التاريخ لا يكتبه سوى أولئك الرجال الذين يمتلكون بصيرة نافذة يقهرون بها عواصف الزمن ويحيلون المخاطر الوجودية إلى قواعد متينة لبناء الدول. وحين تتقاطع خطوط التاريخ مع جغرافيات قلقة تعج بالتقلبات، فإن بقاء الكيانات لا يرتبط فحسب بنصوص الدساتير، بل يستمد عمقه الحقيقي من وجود مرجعيات وطنية صلبة تقود السفينة برؤية استثنائية نحو بر الأمان.

وفي فلسفة السياسة وعلم إدارة الدولة، لا يمكن أبدًا فهم التعقيدات البنيوية بالاكتفاء بالركون إلى الدساتير الجامدة والقوالب الكلاسيكية؛ سيما في تلك الكيانات السياسية التي تعبر خضم التحولات التاريخية الحساسة، كإقليم كوردستان. ومن هذا المنطلق الفكري، فإن تقييم مكانة الرئيس مسعود بارزاني باعتباره "مرجعية وطنية وقومية" يتطلب قراءة عميقة ومفاهيمية في ضوء نظرية "سلطة الضرورة" (Authority of Necessity) وفلسفة صانع القرار في الحالة الاستثنائية (State of Exception) التي أسس لها في الأدبيات السياسية العالمية كبار الفلاسفة أمثال كارل شميت وماكس فيبر، وكيف يلجأ تاريخ الدول المعاصر في أوقات الأزمات الوجودية إلى المرجعية التاريخية.

تؤكد أدبيات الفلسفة السياسية والقانون الدستوري على أن "سلطة الضرورة" هي المنصة الأساسية التي يلجأ إليها النظام السياسي في أوقات الصدمات الدستورية وتعطل المؤسسات الرسمية المؤقتة. فالدساتير خُصصت للظروف العادية والأزمنة المستقرة، بينما يرى كارل شميت (Carl Schmitt) في تعريف السيادة أن "السيد هو من يقرر بشأن الحالة الاستثنائية". ومن هنا تبرز الحاجة التاريخية الملحة لوجود قائد يمتلك الشرعية الثورية، والكاريزما الفكرية، والعمق التاريخي لكي يملأ الفراغات، ويتخذ القرار الحاسم، ويحمي سيادة الكيان من الضياع.

هذه الظاهرة ليست حكراً على الشأن الكوردي، بل إن تاريخ الدول الكبرى المعاصرة يشهد أمثلة عديدة مشابهة؛ فحين كانت فرنسا على حافة الهاوية تحت وطأة أزمة الجزائر وشلل الجمهورية الرابعة التام، وجد المجتمع والقوى السياسية أنفسهم مضطرين للجوء إلى الجنرال شارل ديغول والتعامل معه كمرجعية عليا لصياغة دستور الجمهورية الخامسة وإنقاذ الوطن من شبح الحرب الأهلية. وكذلك في اللحظة الحاسمة لانتقال جنوب إفريقيا من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية، استطاع نلسون مانديلا بمرجعيته التاريخية والنضالية أن يجمع كافة الأطراف المتناقضة ليرسم ملامح بناء الدولة الجديدة. وفي تونس أيضاً، تبوأ الحبيب بورقيبة خلال مرحلة بناء الدولة الحديثة مكانة المرجعية العليا وقائد حركة التحرر الوطني ليحافظ على الإجماع الوطني ويرسي دعائم الحكم.

وهنا نجد ما ذهب إليه ماكس فيبر بالقول: *"في أوقات الأزمات العميقة، تصمت القوانين والدساتير فجأة، ويكون وحده القائد الذي يمتلك الكاريزما ومكانة المرجعية قادراً بقراراته الشجاعة على إنقاذ روح أمة من الضياع". كما يؤكد توماس هوبز بدوره على أن "المرجعية الحقيقية تعلو فوق المؤسسات المؤقتة؛ فهي القوة المعنوية التي تصبح الملجأ الأخير لحماية الأمن القومي حين تتعطل البرلمانات".

وحين يتعرض كيان إقليم كوردستان لمخاطر التقلبات الجيوسياسية الحادة وصراعات القوى الكبرى والإقليمية، فإن البنية السياسية بحاجة ماسة إلى درع ثابت. لقد ظلت مرجعية الرئيس مسعود بارزاني ذلك الملاذ الآمن الذي استطاع حفظ توازن دقيق وسط بيئة مليئة بالتناقضات، مانعاً وقوع صدامات مدمرة. إن التعددية الحزبية واختلاف الرؤى في المجتمعات المتقدمة دليل عافية ديمقراطية، لكنها في المراحل العصيبة، إن لم تستند إلى مركز قرار قومي ومرجعية عليا، تخلق فراغاً خطيراً ينتهي بإضعاف ركائز بناء الدولة وتشرذم الصفوف. وتمثل مرجعية الرئيس بارزاني ذلك المبعث الجامع الذي يربط مختلف الاتجاهات بالمصالح العليا للأمة.

وقد تجلت هذه المكانة الكبرى عبر ثلاثة مستويات أساسية:

أولاً، على الصعيد الوطني العراقي: أقرت القوى السياسية العراقية (شيعة وسُنة) من خلال الممارسة السياسية اليومية وفي الظروف المعقدة بأن أي تسوية أو اتفاق استراتيجي كبير في العراق لا يمكن أن يستقر دون موافقة الرئيس بارزاني وموازنة رؤيته، وظلت مراكز القرار في بغداد تنظر إليه دائماً بوصفه مرجعية مؤثرة وحاسمة للقرارات في الأزمات العسيرة.

ثانياً، على الصعيد الدولي: في الدوائر الدبلوماسية العالمية، يُعرف الرئيس بارزاني كقائد ذي رؤية استراتيجية، يؤمن بالحوار ويحمل طابع "القوة الناعمة" (Soft Power)  التي تحافظ على هدوء إقليم كوردستان إبان التوترات الإقليمية. وفي هذا السياق، أشار السياسيون والقادة العراقيون في مناسبات واجتماعات رسمية عديدة إلى أنه: "حين نزور أربيل ونلتقي بالرئيس مسعود بارزاني، نعلم أننا نجلس مع صاحب القرار الاستراتيجي والمرجعية الحقيقية للشعب الكوردي؛ فأي اتفاق يتم دون موافقة بارزاني لن يكون مستقراً في العراق". كما يؤكد المسؤولون والدبلوماسيون الدوليون خلال زياراتهم لكوردستان على أن "بارزاني ليس مجرد زعيم حزب، بل هو درع ومرجعية قومية كبرى تحمي الكيان وأمن جميع المكونات في ساعات الأزمات".

ثالثاً، في المحطات التاريخية الفارقة: لم تكن مرجعية الرئيس مسعود بارزاني مجرد مفهوم نظري، بل تجسدت واقعياً كمرجعية عليا في محطات تاريخية بالغة الحساسية تتمثل في:

1. في أعقاب سقوط النظام وكتابة الدستور عام (2005):

في الوقت الذي كان العراق الجديد يواجه فراغاً دستورياً هائلاً وتكاد الأطراف العراقية تنجرف نحو أزمات عميقة، استطاع الرئيس بارزاني بصفته مرجعية الكورد العليا وبمشاركته المباشرة وقراراته الشجاعة أن يثبت الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان في صلب الدستور العراقي ويضمن قيام كيان فدرالي، وهو ما يمثل ذروة ممارسة "سلطة الضرورة والمرجعية" لحماية أمة من مصير مجهول.

2. في القيادة الميدانية وكسر هجوم داعش عام (2014):

حين هاجم تنظيم داعش إقليم كوردستان بغتة وتعطلت مؤسسات الحكومة وبرلمانها جراء الأزمة المالية وقطع الرواتب والموازنة، اتخذ الرئيس بارزاني قراراً تاريخياً بارتداء زي البيشمركة وتولى بنفسه القيادة الميدانية لقوات البيشمركة على خطوط الدفاع الأمامية من مخمور إلى سنجار وخانقين، وبحيث لم يقتصر هذا الفعل المرجعي على منع الانهيار العسكري فحسب، بل أعاد بث الثقة لدى المجتمع الدولي وقوات البيشمركة لدحر الإرهاب.

وقد وجد هذا الإرث التاريخي صدىً واضحاً في كلمات القائد الكوردي والرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، الذي أكد في مناسبات عديدة أن إبرام الاتفاقات والتفاهمات مع الرئيس مسعود بارزاني بشأن القضايا الاستراتيجية يمثل الشرط الأساسي لنجاح العملية السياسية في العراق وكوردستان، لكونه يمتلك القرار النهائي والمرجعية القومية القادرة على حماية كيان الإقليم في مواجهة العواصف الداخلية والخارجية.

وفي الختام، ومن أجل بناء مستقبل واعٍ، يتعين من جهة الفصل بين المناصب والأعمال المؤسسية الحزبية والحكومية وبين "سلطة الضرورة" التي تعمل كمظلة جامعة في أوقات الأزمات الوجودية وتضمن استمرارية الكيان، واعتبار الحفاظ على هذا التوازن الوطني ضامناً رئيسياً لبقاء الكيان السياسي لإقليم كوردستان في إطار الدستور.

*باحث حقوقي  

 قائمة المراجع (References):

1. Weber, Max. (1946). From Max Weber: Essays in Sociology. Translated and edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press. (Chapter 8: "The Types of Authority and Imperative Coordination", pp. 215–245).

2. Hobbes, Thomas. (1651). Leviathan: Or the Matter, Forme, & Power of a Commonwealth, Ecclesiasticall and Civil. London: Andrew Crooke. (Part II, Chapter 21: "Of the Liberty of Subjects", pp. 139–144).

3. De Gaulle, Charles. (1960). Mémoires d'espoir: Le Renouveau, 1958–1962. Paris: Plon. (Chapter 1: "Le Changement de Régime et la Crise de 1958", pp. 23–67).

4. Mandela, Nelson. (1994). Long Walk to Freedom: The Autobiography of Nelson Mandela. Boston: Little, Brown and Company. (Part 8: "The Transition and the Birth of a New Democracy", pp. 515–560).

5. Bourguiba, Habib. (1978). The Tunisian Way: Speeches and Writings on State-Building. Tunis: Tunis National Press. (Section 3: "National Consensus and the Supreme Authority of Leadership", pp. 140–185).

6. Agamben, Giorgio. (2005). State of Exception. Translated by Kevin Attell. Chicago: University of Chicago Press. (Chapter 1: "The State of Exception as a Paradigm of Government", pp. 1–31).

7. طالباني، جلال. (أرشيف اللقاءات الإعلامية والتصريحات الرسمية حول التوازن السياسي ومكانة الرئيس بارزاني في مرحلة ما بعد 2005).

 8. أساتذة الجامعات والمؤرخون. (2015). مێژووی سیاسی کورد لە سەردەمی هاوچەرخدا: ڕۆڵی سەرکردایەتی هاوبەش (2003-2014) [التاريخ السياسي للكورد في العصر الحديث: دور القيادة المشتركة]. السليمانية: مطبعة سردم. (ص. 210-235).

٩. الماشطة، طارق متولي. (2008). سلطة الضرورة في القانون الدستوري: دراسة مقارنة. القاهرة: دار النهضة العربية. (الفصل الثاني: "نطاق سلطة الضرورة في الظروف الاستثنائية"، ص. 112-145).

 10. السعيد، محمد عبد العال. (2012). نظرية الضرورة السياسية وأثرها في استقرار الأنظمة المعاصرة بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر. (الباب الأول: "المعايير الموضوعية لضرورة الدولة"، ص. 75-104).

 11. حسين، غازي. (2020). "القيادات التاريخية وأثرها في استقرار الكيانات السياسية غير الدوَلية في الشرق الأوسط"، مجلة الدراسات الإقليمية، مركز دراسات الإقليم، بغداد، المجلد 9، العدد 21، ص. 83-107.

12. Schmitt, Carl. (1922). Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. Translated by George Schwab. Chicago: University of Chicago Press. (Chapter 1: "Definition of Sovereignty", pp. 5–15 - مرجع فلسفي وقانوني حول صانع القرار في حالات الطوارئ والضرورة).

 13. عبد الله، آرام. (2022). مێژووی سیاسی و حوکمڕانی لە هەرێمی کوردستان (2003-2020) [التاريخ السياسي والحكم في إقليم كوردستان]. أربيل: مركز الثقافة والنشر. (الفصل الثالث: دور القيادة السياسية وتوازن القوى في الأزمات الوطنية، ص. 145-180).

 14. لطفي، نجم الدين. (2018). سیستمی سیاسی و دامەزراوە دەستوورییەکان لە عێراق و هەرێمی کوردستاندا[النظام السياسي والمؤسسات الدستورية في العراق وإقليم كوردستان]. السليمانية: الأكاديمية العلمية الكوردية. (الفصل الثاني: الشرعية التاريخية والدستورية للقادة في المراحل الحساسة، ص. 88-112).

 

 

 

 

Top