مسيرات بيرمام.. هل تحولت أربيل إلى بريد ناري للرسائل الإقليمية؟
ضياء بطرس
في الحروب لا تكون الصواريخ باشكالها المتنوعة والطائرات المسيرة مجرد أدوات للضرب، أحيانا يكون توقيت الضربة ومكانها أهم من حجم الأضرار التي تخلفها، لأن الهدف قد يكون إيصال رسالة سياسية قبل أن يكون تحقيق هدف عسكري.
ومن هنا فإن استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، ومقر مسؤول أمني في جهاز «باراستن» بمدينة بيرمام، منتصف ليلة 17 آب 2016 بمسيّرتين مفخختين من نوع (حديد 110)، حسب تصريحات سلطات الإقليم إنهما انطلقتا من الأراضي الإيرانية، لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثا أمنيا عابرا بل يعتبر تصعيد خطير يمس أمن الإقليم، ولا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي المتوتر، أو اختزاله في إطار التنافس الحزبي الداخلي.
بقراءة الحدث من زاوية اخرى وبالمنظار الأوسع يفرض علينا التساؤل بوضوح، أين تقف سيادة العراق والدستور الفيدرالي من هذه الحرب الإقليمية؟ ورغم إعلان بغداد وأربيل موقفا صريحا يقضي بالنأي عن النفس ومنع امتداد ألسنة النار إلى الداخل، فإن واقع الحال يثبت أن نيران الصراع قد اخترقت الحدود بالفعل، إيران حاليا تعيش مواجهة مفتوحة ومعقدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد تعثر المساعي الدبلوماسية، دخلت المنطقة مرحلة ( لا حرب ولا سلم )، وهي حالة تفيض بآثارها المباشرة على دول الجوار، وفي هذه الاجواء تبدو الأراضي العراقية ومساحات من الإقليم معرضة لأن تتحول وفق الحسابات الأمنية للأطراف المتصارعة، إلى ساحات للضغط والردع على حساب الأمن الوطني العراقي.
العراق والإقليم يتمتعون بعلاقات وثيقة مع واشنطن والغرب، وبذات الوقت لهم روابط عميقة مع الجارة إيران تمس جوهر العملية السياسية، وهذا لا يمنح طهران أي حق لاستخدام الأراضي العراقية بريدا ناريا لرسائلها، ومن مصلحة طهران نفسها أن تنظر إلى هذا الواقع بحساسية ودراسة معمقة، إذ لا يجوز أن تتحول الخصومة مع أطراف دولية إلى نزاع إقليمي ينتهك السيادة العراقية.
وعندما تطال المسيّرات في وقت متزامن مركز القرار السياسي والأمني في أربيل، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على لماذا هذا الهدف؟، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر ونقول كيف أصبح المجال الجوي العراقي ممرا متاحا لرسائل الردع والضغط؟، أم انها اختبار لقدرة الإقليم على حماية مؤسساته؟، وربما تحمل أكثر من معنى في الوقت نفسه.
قد يقرأ البعض هذا الاستهداف كمحاولة لعرقلة جهود مسرور بارزاني في تشكيل الحكومة المقبلة التي طال انتظارها، وهو استنتاج لا تتوافر له حتى الآن أدلة كافية، لكن من المؤكد أن أي ضربة بهذا المستوى تحمل رسالة أمنية وسياسية، وأن القيادة الكوردستانية ستضطر في المرحلة المقبلة، إلى التعامل مع حسابات أمنية وسياسية واقتصادية أكثر تعقيدا، وهذا الاحتمال يستحق الدراسة والبحث والتحليل وهذا ليس الاتهام بقدر ماهو راي.
واللافت للنظر أن رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني نجح خلال السنوات الماضية في الحفاظ على التوازن وإبقاء خيوط التواصل مفتوحة مع واشنطن وطهران على حد سواء، وهذه العلاقات ليست مهمة لأربيل وحدها، بل قد تكون حاجة لإيران نفسها في أوقات الانسداد السياسي، لذلك فإن تحويل أربيل إلى ساحة مواجهة لا يخدم الاستقرار الإقليمي، ولا يخدم المصالح الإيرانية على المدى البعيد، طهران بحاجة إلى أربيل كشريك حوار متوازن لا كخصم تُستهدف مؤسساته.
العراق اليوم يواجه ظروفا اقتصادية وسياسية صعبة جدا، ويحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى، لأن اقتصاده وخدماته وفرص العمل واستثماراته وحياة المواطنين، كلها تأثرت وتتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأي تصعيد أمني أو سياسي او عسكري، المواطن العراقي يعاني من أزمات اقتصادية ومالية وخدمية لا يحتاج إلى حروب جديدة، العراق الان يحاول بناء مؤسساته، ليس له المقدرة بأن يتحمل أو يصبح ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، لذلك فإن حماية السيادة العراقية ليست قضية بغداد وحدها، ولا أربيل وحدها بل تعد مسؤولية مشتركة.
في هذا الوقت النظام السياسي في اقليم كوردستان يواجه مجموعة تحديات، لا يزال الخلاف السياسي الكوردي يعطل تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات برلمان كردستان التي اجريت يوم 20/10/2024 وقد مضى عليها سنة وثمان اشهر ولايزال البرلمان معطل، وهنا ليست غايتي تحويل هذا الواقع المؤلم وتنسب اتهام إلى هذا الحزب أو القائمة او غيرها، فالمسألة أعمق من ذلك ولكنني ارى ان المشكلة الحقيقية تكمن بالانقسام الداخلي المستمر، وفي هذه الظروف الإقليمية الحالية يتحول هذا الانقسام ان شئنا ام أبينا إلى نقطة ضعف، فالقوى الخارجية تقوم باستثمارها لمصالحهم، أما وجود إقليم متماسك وقوي سياسيا ومؤسساتيا سيتحدث مع الجميع من موقع قوة ويحسب له حسابات كثيرة، بعكسه إقليم منقسم ومؤسساته غير مكتملة وحكومته غير مستقرة فإنه يصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
تصدر البيانات وتأتي الإدانات ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه، السيادة لا تُحمى بالبيانات وتكرار الإدانات عقب كل هجوم، بل بموقف حازم من الحكومة الفيدرالية لحظر انتهاك الأجواء والأراضي العراقية من أي طرف كان، وبقيام البرلمان بدوره الرقابي في مساءلة السلطة التنفيذية.
إن ما يحتاجه العراق وإقليم كوردستان ليس الانخراط في محور ضد إيران، ولا الانضمام إلى محور ضد الولايات المتحدة، بل صياغة سياسة عراقية مستقلة ترتكز على المصالح الوطنية وحسن الجوار.
التعاون مع واشنطن لا يعني تحويل البلاد إلى ميدان مواجهة، والحوار مع طهران لا يعني التنازل عن السيادة، وبين هذين الموقفين يمكن للعراق أن يرسم طريقاً ثالثا، الا وهو دولة تحترم علاقاتها مع الجميع، لكنها لا تسمح لأي طرف بأن يستخدم أرضها أو سماءها لتصفية حساباته أو إيصال رسائله العسكرية.
هذه ليست مسألة موقف من إيران أو الولايات المتحدة، بل مسألة موقف من العراق نفسه، ومن حق العراقيين في الأمن والاستقرار، ومن حق أربيل وبغداد في أن تكون قراراتهما نابعة من اجل بناء علاقات مشتركة ، لا من حسابات الحروب التي تدور من حولهما، لان السعي لبناء السلام والاستقرار واستتباب الامن من خلال حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفسادومحاسبة الفاسدين ليس من موقف الضعف، والسيادة الوطنية ليست فقط شعارا لكنها من الشروط الأساسية لإنقاذ العراق وأن لا يدفع مرة أخرى ثمن حروب الآخرين، لحماية اقتصاده ومستقبل مواطنيه.
ومن حق أربيل وبغداد في أن تكون قراراتهما نابعة من اجل بناء علاقات مشتركة ، لا من حسابات الحروب التي تدور من حولهما، والاستقرار واستتباب الامن من خلال حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفسادومحاسبة الفاسدين ليس من موقف الضعف، والسيادة الوطنية ليست فقط شعارا لكنها من الشروط الأساسية لإنقاذ العراق وأن لا يدفع مرة أخرى ثمن حروب الآخرين، لحماية اقتصاده ومستقبل مواطنيه.
