حين خسر الجميع ونُكثت العهود
محمد خضر شنكالي
في الثامن من آب عام 1988، أُسدل الستار على مسرحية دموية استمرت ثمانية أعوام كاملة. خرج القائد الضرورة ليُعلن بملء فيه، وعلى وقع الأناشيد حماسية الإيقاع: "لقد انتصرنا!"، وفي الطرف الآخر من الحدود، كانت طهران تُطلق التكبيرات ذاتها مُعلنةً: "بل نحن من انتصر!". أما الحقيقة الشاخصة خلف غبار الهتافات، فكانت مليون جثة، ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين، واقتصاداً تناثر كالهباء، لنكتشف بعد هذا الفاصل الكوميدي الأسود أن الطرفين قررا -بكل أريحية- العودة إلى ذات الحدود التي كانا عليها قبل أن تطلق أوّلى الرصاصات! ثماني سنوات من الجحيم والخراب من أجل إعادة شريط الأحداث إلى نقطة الصفر.. يا له من إنجاز تاريخي يستحق الألعاب النارية!
لكن ما الذي فجّر هذه المأساة ابتداءً؟ السبب أعمق وأكثر سخرية: أراد النظام استعادة شريط مائي ضئيل تنازل عنه في اتفاقية الجزائر عام 1975! وتلك الاتفاقية نفسها لم تكن سوى صفقة مستعجلة، عقدها النظام ليشتري صمت طهران ويحثّها على سحب دعمها عن الثورة الكوردية.
ولأن العبقرية السياسية للنظام البعثي لم تكن تتوقف عن إبهاجنا، وجد العراق نفسه مع نهاية الحرب غارقاً حتى أذنيه في ديون طائلة. فكيف يُحَلّ هذا المأزق المالي؟ بالطبع، عبر مغامرةٍ "أعمق" وأكثر طيشاً: غزو الكويت! كان المغامِر يظنها ضربة معلم لتنقية الديون، فإذا بها الضربة القاضية التي حطمت الجيش، وسحقت الاقتصاد، وألقت بالبلاد في حصار خنق البشر والحجر، وصولاً إلى الهاوية الكبرى وسقوط النظام عام 2003.
ولو تتبعنا حجر الدومينو الأول الذي تسبب بسقوط باقي الأحجار، لوجدناه يكمن في اللحظة التي انقلبت فيها حكومة البعث البائد على بنود اتفاقية آذار، ورسّخت سياسة إنكار حقوق الشعب الكوردي. لو أُعطي الحق لأهله، ولَو احتُرمت الإرادة، لما صُرِفَت المليارات على السلاح، ولَما شُرِّد الملايين، ولَما انزلقت المنطقة في هذا التيه المظلم.
دروس من التاريخ
ضريبة الإنكار: كل محاولة لتهميش حقوق الكورد المشروعة أو القفز عليها، لا تنتج سوى خيبات متتالية وكوارث تعود بالوبال على أصحابها.
لعنة التاريخ: الديكتاتوريات تتغير والأنظمة تفنى، لكن الشعوب المتمسكة بحقها تبصم بقاءها على أرضها مهما طال الزمن.
لتكن هذه التراجيكوميديا المأساوية درساً سرمدياً لكل من تسوّل له نفسه في أي بقعة من كوردستان أو المنطقة: إن التعدي على حقوق هذا الشعب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو استدعاء صريح للرعونة التاريخية التي انتهت بكل من مارسها إلى طي النسيان واللعنة.
