• Sunday, 09 August 2026
logo

الكوردية أم اللغات

الكوردية أم اللغات

 كركوك- كولان العربي (طارق كاريزي)

هذا الذي قاله بالتحديد الخبير اللغوي والباحث ريكار أحمد. بدأ الباحث حياته سياسيا ومناضلا في صفوف ثورة التحرر الكوردستانية، واستطاع تبوء منصب القيادة في صفوف البيشمركة. وبعد التحول الذي أعقب انتفاضة شعب كوردستان الكبرى عام 1991 وولادة برلمان وحكومة اقليم كوردستان، اختار المناضل العتيد ريكار احمد الانتقال من النضال السياسي الى النضال الثقافي وعالم البحث والتقصي العلمي. المكان الأكثر مناسبا لتفرغه للبحث والتقصي كانت ربوع مهجر السويد، واستثمر غنى المكتبات الأوروبية ليواصل البحث والتقصي في الشؤون الكوردية عامة واللغة الكوردية وجذورها بشكل خاص. وبعد حوالي عقد ونصف العقد من البحث المتواصل والاطلاع على المصادر العلمية في كبريات المكتبات والمراكز الاكاديمية في السويد وبلدان اوروبية اخرى، بات الباحث يمتلك رؤية ذات افق واسع فيما يتعلق باللغة الكوردية ذات الجذور الغنيّة الضاربة في اعماق التاريخ. استضافت مكتبة كاريز في كركوك الباحث ريكار أحمد من خلال ندوة قدمها يوم 5/آب الجاري بعنوان (دور اللغة في الوحدة والتفتت) من منصة كاريز، تطرق فيها بالتفصيل عن اللغة الكوردية وواقعها الحالي ودورها الخطير في التاريخ والسطو الكبير الذي تعرضت له. ومن باب تعميم الفائدة ارتأينا تقديم ملخص لفحوى الندوة ومجمل آراء الباحث حول الموضوع.

قال الباحث ان اللغة وليدة البيئة، فالبيئة الاجتماعية هي التي تمنح ملكة اللغة للفرد ولا خيار له في ذلك، وتدخل اللغات مع بعضها في صدام وتلاقي وتلاقح، وبموازاة ذلك تعد الهجرة ظاهرة عالمية رافقت المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ. وعندما يحل المهاجرون في ديار جديدة، نقف عند ظاهرتين لغويتين متوازيتين، تتفوق إحدى اللغات على حساب الأخرى، فالمهاجرون عندما يرون في لغتهم القوّة والقدرة والرقي والقدسية، يفرضونها على أبناء المنطقة التي يحلّون فيها وبذلك تذوب لغة أهل الديار الأصليين وتفرض لغة المهاجرين نفسها على اهل الدار، والعكس وارد أيضا، يضطر المهاجرون من خلال جيلين أو ثلاثة الى تقبل لغة اهل الدار وتذوب لغتهم وثقافتهم في بوتقة لغة اهل الديار. الطفل يتعلم لغة الأم من والديه، احيانا يتم تعليم الطفل اللغة بشكل غير مضبوط، وتاليا يستوجب تصحيح الأخطاء التي تسللت الى لغة الطفل. أنا عندما احل في كركوك يهمني تعلم لغة أبناء كركوك، وفي ذات الوقت فان صاحب الدار والديار ربما يرغب تعلم لغة الضيف، وفي هذه الحالة يصاب الضيف بالغرور ويرى بأن لغته مقدسة تستوجب فرضها على اللغات الأخرى.

وأكد الباحث بأن البدو والرحل يتعلمون لغة أهل الديار التي يحلّون فيها، ومثال على ذلك فان الكيميريين والساكيين كانت لغاتهم قريبة من الكوردية، لكنهم بالمحصلة انصهروا في بوتقة اللغة الكوردية وبات من المتعذر تمييزهم عن الكورد. المهاجر عندما يحل في ديار جديدة يتعلم كلمات وجمل من لغة أهل الديار. والكلمات ليست الفاظا مجردة، بل حوامل لأحاسيس اجتماعية وثقافية وأبعادا روحية تشكل فحوى الهوية، واللغة هي الجسر الذي يسهم في بناء المجتمع ومد شبكة العلاقات بين الأفراد، وهي في المجتمعات التعددية تعد جسرا مهما للتواصل ونشهد حالة انتقال الكلمات بين اللغات المتداولة في المجتمع التعددي. الدين كان عاملا مؤثرا في انصهار اعداد كبيرة من أبناء شعبنا في بوتقة القوميات الأخرى، خصوصا تلك القوميات التي فرضت هالة القدسية على لغاتها. وهناك ظاهرة لافتة، وهي ان اللغة التي تحاول فرض نفسها قسرا على الناطقين بلغة مغايرة، تتولد لدى أبناء اللغة المغايرة ردة فعل تتحول الى خندق للدفاع عن لغتهم ورفض اللغة التي تحاول فرض نفسها قسرا، فيما الحالة في مجتمعات المهاجر هي بالعكس، بلدان اوروبا تعترف بلغة المهاجر وتفتح السويد صفا لكل (5) طلاب ناطقين بلغة ما، وهذه المرونة في تقبل اللغات الأخرى تجعل الجيل الأول من المهاجرين يتجاوب بشكل ايجابي مع لغة البلد ويحافظ على لغته بشكل سليم، فيما الجيل الثاني لا يجيد لغة والديه الا بشكل ركيك ويقول بأن والده كان كورديا (مثلا)، فيما الجيل الثالث من المهاجرين يندمج اجتماعيا وينصهر تماما في المجتمع الذي استقبل واحتضن جده.

تابع الباحث ريكار احمد الذي قدم من أربيل الى كركوك لتقديم محاضرته القيّمة في مكتبة كاريز موضحا، يعاني الشعب الكوردي اشكالية مع الشعوب المجاورة، هناك مساع متواصلة لفرض التركية والعربية والفارسية على الشعب الكوردي وصهر اللغة الكوردية في بوتقة هذه اللغات وبالتالي انهاء الهوية المميزة للأمة الكوردية، مع هذا استطاعت اللغة الكوردية الصمود ودخلت عشرات آلاف الكلمات الكوردية في قواميس اللغتين الفارسية والتركية، اضافة الى آلاف الكلمات التي دخلت اللغة العربية، وانا شخصيا أعددت قائمة بأكثر من (600) كلمة كوردية دخلت قاموس اللغة العربية، علاوة على صيغ كوردية دخلت هذه اللغة، وبالتأكيد فان كلمات كثيرة من هذه اللغات الثلاث قد دخلت قاموس اللغة الكوردية. تسهم اللغة في بلورة هوية الشعب وتشكيل وحدته عندما تمتزج الكلمات بالمشاعر، أي تراجع في جسر الكلمات المحملة بالمشاعر، فان الجسر الرابط بين أبناء الشعب يتداعى، لذلك من المهم تعميم الكلمات المشتركة بين لهجات اللغة الواحدة لتعزز مشاعر الوحدة والتكامل بين أبناء الشعب والأمة الواحدة. تعد اللغة الكوردية أم اللغات في العالم، فقد هاجرت أقوام وقبائل وتجمعات سكانية كوردستانية نحو أنحاء متفرقة من العالم، مثلا هاجر الكوتيون (ربما إحدى قبائلهم) من كوردستان الى المانيا وأخذت معها لغتها الى هناك، وبذلك انتشرت مفردات اللغة الكوردية هناك ودخلت قاموس اللغة الالمانية، انا شخصيا عثرت على كم كبير من الكلمات الكوردية في أكثر من عشرين لغة عالمية، وهكذا فان هجرة أقوام أو قبائل كوردستانية الى اصقاع مختلفة من العالم، أدت الى انتشار الكلمات الكوردية في تلك اللغات.

واصل الباحث طرح آراءه وقال: عندما ترى لغة ما بأنها الأفضل، تسعى لأن تفرض نفسها على اللغات الأخرى، وهذه النظرة الاستعلائية للناطقين بلغات الجوار الكوردي حفزت الكورد للدفاع عن لغتهم وصيانتها من الانصهار، مع هذا فان الكورد بدءا من البصرة وصولا الى بغداد فقدوا لغتهم وباتوا ناطقين بلغة اخرى رغم اصولهم الكوردية. اللغة ليست حيادية، فالتربية والسلطة تفرضان لغة محددة على غيرها من اللغات، وبحسب هذين العاملين نرى حصول تبدلات لغوية واسعة في معظم انحاء الكرة الأرضية وجميع قاراتها، وهما السبب في بناء الجدار بين لغة السلطة ولغات الشعوب المستعمرة والخاضعة لمشيئة غيرها من الشعوب والثقافات. وضمن اطار هذه الحالة فان بعض اللغات تسير نحو الانصهار والانحلال، فيما تتخندق لغات اخرى في حصون الدفاع عن الذات واللغة والثقافة. الحالة في البلدان الأوروبية مغايرة. القوانين الأوروبية تعترف بلغات كافة المهاجرين ولا حظر على أي لغة من اللغات، لذلك، مثلما سبق القول، نرى ان الجيل الأول من المهاجرين يكونوا متعلقين بقوّة بلغتهم وثقافتهم، فيما الجيل الثاني لا يجيد لغة والديه بما فيه الكفاية ويقول ان اصله كوردي، فيما الجيل الثالث ينصهر تماما وبشكل سلس وناعم دون صدام في بوتقة الشعب الذي احتضنه. سبق وأن قلنا، القوانين تتيح في السويد مثلا، لكل خمسة طلاب ناطقين بلغة ما ان يدرسوا لغتهم، عندها يرى المهاجر ان لغته وثقافته تحترم، لكن حفيد المهاجر يرى ان السويدية هي التي تنفعه في امور حياته، لذلك يستخدم السويدية ويفضلها على غيرها من اللغات. كان العثمانيون يفرضون اللغة التركية على أقوام وشعوب الامبراطورية، والكثير من الدول والسلطات الأخرى سعت لفرض لغاتها وثقافاتها. اليوم لا توجد مدينة احادية اللغة او احادية الثقافة، وتعلم اللغات يفتح باب الاختلاط بين الشعوب والثقافات، الاختلافات أمور طبيعية، لكن ممارسة سياسة فرض لغة على اخرى تؤدي الى خلق حالة من (أنا وأنت)، وهذا يقود الى الصدام بين أصحاب الثقافات المختلفة. لدينا في كوردستان اناس ذو اصول كوردية انصهروا في بوتقات أمم الجوار، ومن حق الذي انصهر في ثقافة قومية أخرى أن يدعي بأنه غير كوردي، لكن لا يحق له الغاء الهوية الكوردية لوالده وجده، فهؤلاء كانوا وعاشوا كوردا وناطقين بالكوردية. تعلم اللغات الأخرى يفتح لك باب الثقافات الأخرى، وجدنا في احدى بلدان المهجر شابا بعمر 17 عاما يجيد 8 لغات مختلفة وبضمنها الكوردية والفارسية، قال انه يدرس في صف يوجد فيها ناطقين بلغات عدة، تعلم هذه اللغات من خلال اختلاطه بالناطقين بها. القادمون والغزاة عندما جاءوا الى كوردستان، فرضوا لغاتهم على أهل الدار والديار، وبذلك انصهرت جموع كبيرة من الكورد في بوتقة الغزاة والمحتلين. الفرد بإمكانه ان يحافظ على لغته حيثما كان، لكن ما لم يتعلم لغة الآخرين لا يستطيع ان يبني جسور التواصل مع الآخرين. انا رأيت كوردا يقيمون في المهاجر علّموا زوجاتهم من الأجانب الكوردية، الاعتزاز باللغة والثقافة تدفع الفرد للمحافظة على لغته وثقافته، اللغة هي التي تقول من أنت؟

أكد الباحث ريكار أحمد، بأن هناك اختلاف بين اللغات، قبل 100 عام من الآن كان التحدث بالكوردية ممنوعا في تركيا وشمالي كوردستان، بعد قدوم المغول فرضت لغات أخرى علينا، لذا من المهم ان نحافظ على لغتنا، وبموازاة ذلك من المهم ان نحافظ على مختلف لهجاتنا الكوردية، المحتل حاقد ويسعى لمحو لغتك وثقافتك، وهنا علينا نحن الكورد كأمة تعاني الاحتلال أن نكون لينين ومطاوعين بالشكل الذي يكون بإمكاننا حماية هويتنا ونعلن عنها وندافع عنها. من المهم أن نختار لغتنا في مجال التربية والتعليم، فالدول التي تتقاسم جغرافية كوردستان تسعى لفرض هوياتها علينا ومن ثم السطو على ذاكرتنا وثقافتنا. ان اردنا العيش مع الشعوب بشكل ايجابي وبنّاء، مع المحافظة على هويتنا، يجب ان نرى في لغتنا هي الأفضل، ونطبق ذلك عمليا بالأعمال لا بالأقوال فحسب. ومن المهم ان نحافظ على ذكرياتنا وذاكرتنا الجمعية ونطوّرهما بما في ذلك اللغة، فهي هدية الآباء والأجداد منحتنا الهوية وتجعلنا نفهم لغتنا بعمق، استعمل لغتك أينما كنت وحيثما حللت، الكوردية تلاشت مثلا في البصرة كون الناطق بها وجدوا في العربية ضالتهم، نفس الشيء يصح في العربي الذي وجد ضالته في الكوردية في اربيل. حالة التلاقح بين اللغات حالة طبيعية، أنا شخصيا جمعت ما بين 600 الى 700 كلمة كوردية انتقلت الى اللغة العربية، وهناك أيضا مئات الكلمات العربية في اللغة الكوردية، الجوار الجغرافي حتّم التلاقح بين هاتين اللغتين، وللسلطة دورها الحاسم في منح القوّة والرسوخ للغة، والكوردية رغم حرمانها من السلطة طوال القرن العشرين، الا انها بقية لغة حيّة كونها لغة غنية ضاربة بجذورها في اعماق التاريخ وفسيح الجغرافية.

معلومة مثيرة طرحها الباحث حين قال بان لهجة كركوك كانت اللكية واللرية والكورانية، وهذه المعلومات قال بها الكاتب الكركوكي المعروف معتصم ساليي قبل سنين عدة، وبتأثير دولة بابان التي بنت عام 1784 السليمانية عاصمة جديدة لها الى الشرق من كركوك، تحولت لهجة سكان كركوك الى الكرمانجية الوسطى (السورانية) حيث استطاعت الدولة البابانية تشكيل لغة كوردية موحدة تم دعمها بالأدب، حيث كانت لغة الأدب في كركوك قبل القرن الثامن عشر هي لهجة كوران الكوردية. ومن المهم العمل نحو بلورة لغة كوردية قياسية يفهمها ويكتب بها الكورد أينما كانوا، سعت الكرمانجية الوسطى (السورانية) نحو التحول الى لغة كوردية جامعة، لكنها تعثرت في بلوغ هذا الهدف، وسبب ذلك هو لجوء النخب الاعلامية والثقافية الى استعارة الكلمات من اللغات الأجنبية عوضا عن الاعتماد على اللهجات الكوردية التي تؤصل الكوردية القياسية وتغنيها وتدفع بها نحو التأهل لتبوء منزلة الكوردية القياسية.

وشدد الباحث، بأن هناك تهديدات تحيط باللغة الكوردية. أفضل حصن لصيانة اللغة الكوردية وتطويرها هو السعي لتوحيد الأبجدية وارساء الكوردية القياسية لتكون اللغة المشتركة للكورد حيثما كانوا. في المناطق ذات التعددية اللغوية مثل الموصل وكركوك، نجد ان هناك لغات اخرى تزاحم الكوردية. ومن المهم هنا الاشارة الى ان لغة المدينة تختلف عن لغة القرية، لغة القرية تكون محدودة ضمن اطار لهجة محددة، اما المدينة فهي بيئة لتلاقح وتصادم اللغات واللهجات، اللغات في المدن تتصارع، لدينا في كوردستان لغات قدمت من أصقاع بعيدة وحاولت فرض ذاتها على اللغة الكوردية، نحن والناطقين بالسريانية (احدى لهجات الآرامية) شركاء في ثقافة هذه المنطقة، قبل مجيء الاسلام كانت المسيحية والزرادشتية هما الديانتان الشائعتان في ديار الكورد، المصلح الديني الكبير ماني، والبعض يراه نبيا، حاول بلورة دين جديد يجمع بين المسيحية والزرادشتية، وكانت هناك خمس لغات رسمية في الامبراطورية الساسانية، وهي البهلوية (الكوردية الوسطى)، الفارسية، الدرية، الآرامية والسريانية.

وأختتم الباحث محاضرته بالقول، بأن المحتل يسعى لفرض لغته ومن ثم ثقافته، لكن نحن طلاب المساواة بين اللغات واحترام الثقافات. يجدر بأن مدخلات الحضور أغنت المحاضرة ودار حوار مثمر بين الباحث وبعض من الحضور من خلال مداخلاتهم والأسئلة التي طرحوها.

 

 

 

 

 

 

 

الكوردية أم اللغات

Top