الفساد بين الحقائق والصورة العامة
د. سيروان عبدالله سيريني
هل أعضاء البرلمان هم الشريحة الأكثر فسادًا في المجتمع؟ قراءة دستورية من منظور تجربة مؤسسية
جوهر الفساد ومخاطره على الدولة
الفساد هو الاستخدام غير المشروع للسلطة العامة، أو المنصب، أو النفوذ السياسي، لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب المصلحة الوطنية العليا، وبما يتعارض مع القوانين النافذة، ومبادئ النزاهة، وقيم العدالة والأخلاق العامة.
ولا يقتصر الفساد على كونه ظاهرة مالية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا إدارية وسياسية وقضائية واقتصادية ومؤسسية. وهو، بهذه الصورة الشاملة، يمثل آفةً خطيرة تنخر جسد الدولة من الداخل، فتُضعف شرعية مؤسساتها، وتُقوّض ثقة المواطنين بها، وتُربك مسارات التنمية والإصلاح، وقد تقود ـ إذا استشرى خطرها ـ إلى حالة من التآكل المؤسسي والانكشاف المجتمعي الشامل.
لقد وضع دستور جمهورية العراق لسنة (2005) إطارًا متينًا لبناء دولة القانون والمؤسسات، من خلال تكريس مبادئ الفصل بين السلطات، وترسيخ سيادة القانون، وصيانة المال العام، وإرساء منظومة الرقابة المؤسسية. وعبر تأكيد استقلال السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، حدّد الدستور اختصاصات كل سلطة وصلاحياتها بدقة، بما يضمن عدم استئثار أي جهة بمقاليد الحكم أو هيمنتها على غيرها، في ظل نظام من التوازن والرقابة المتبادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة الفساد ليست مهمة مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية شاملة تتقاسم أعباءها سلطات الدولة كافة، والهيئات الرقابية، والسلطة القضائية، والإعلام المهني الحر، ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن وعي المواطنين أنفسهم.
الحقائق الدستورية: على مَن يقع عبء التنفيذ؟
في أعقاب التحولات السياسية التي شهدها العراق بعد عام 2003، ترسّخ لدى شريحة واسعة من الرأي العام انطباعٌ مفاده أن أعضاء مجلس النواب يمثلون «الفئة الأكثر فسادًا» داخل مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، جرى تداول هذا التصور وتكراره عبر بعض المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات عند كثيرين أشبه بحقيقة مسلَّمة لا تخضع للمراجعة أو النقاش.
غير أن القراءة الدستورية الموضوعية تقتضي التمييز بين السلطات واختصاصاتها. فوفقًا لأحكام المادة (61) من الدستور العراقي، يُعد مجلس النواب سلطةً تشريعيةً ورقابيةً بالدرجة الأساس، ولا يمتلك صلاحيات تنفيذية مباشرة تتعلق بإدارة الموازنة العامة، أو إبرام العقود الحكومية، أو تنفيذ المشاريع، أو إدارة عمليات الصرف المالي.
وفي المقابل، أناطت المواد (77 ـ 80) من الدستور بالسلطة التنفيذية، ممثلةً بمجلس الوزراء والوزارات، المسؤوليات الإدارية والمالية والتنفيذية للدولة، بما يشمل إدارة الشأن العام، وإعداد الموازنة وتنفيذها، وإبرام العقود، والإشراف على المشاريع، وتنفيذ القوانين، وإدارة مؤسسات الدولة المختلفة.
وبناءً على ذلك، فإن معظم القرارات المالية والإجرائية اليومية تتخذ داخل أروقة السلطة التنفيذية، الأمر الذي يجعل التعميم في اتهام جميع أعضاء مجلس النواب بالفساد المالي مجافيًا للحقائق الدستورية، ومتعارضًا مع فلسفة توزيع الاختصاصات التي قام عليها النظام السياسي.
ولا خلاف على أن بعض النواب، في دورات سابقة أو لاحقة، قد يكونون تورطوا في ممارسات غير قانونية أو استغلوا مواقعهم لتحقيق مصالح شخصية، وهو أمر لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه بأي صورة، ويجب أن يخضع مرتكبوه للمساءلة القانونية والقضائية الكاملة. إلا أن تعميم هذه الحالات الفردية على المؤسسة التشريعية بأكملها يُعد ظلمًا وإجحافًا، وقد يؤدي إلى صرف الأنظار عن الجهات التي تمتلك الصلاحيات التنفيذية المباشرة في إدارة الأموال العامة.
أسباب تشويه الصورة العامة ودور الإعلام
لقد أسهمت بعض وسائل الإعلام، إلى جانب بعض الاتجاهات والقوى السياسية، في تكريس هذه الصورة النمطية المشوَّهة. ففي مراحل متعددة، لجأ بعض المسؤولين التنفيذيين، بدلاً من تقديم إجابات واضحة عن أوجه الخلل أو التقصير داخل مؤسساتهم، إلى توجيه بوصلة الغضب الشعبي نحو البرلمان، أو التقليل من أهمية دوره الرقابي، بما يتيح لهم مساحة أوسع للتحرك بعيدًا عن المساءلة والتدقيق.
وقد ساهم هذا الخطاب في ترسيخ انطباع عام يصوّر البرلمان بوصفه مركز المشكلات ومصدرها الأول، في حين أن القراءة الواقعية للنصوص الدستورية ولآليات عمل الدولة تكشف صورة أكثر تعقيدًا وتوازنًا من هذا التصور المبسّط.
مكافحة الفساد: إرادة حقيقية أم شعارات عابرة؟
إن دعم جهود الدولة في مكافحة الفساد يمثل ضرورة وطنية لا غنى عنها، شريطة أن تُمارس هذه الجهود في إطار الدستور والقانون، وأن تُصان من الانتقائية السياسية ومنطق الكيل بمكيالين.
وقد وفّر الدستور العراقي الأسس القانونية اللازمة لهذه المعركة؛ إذ نصّت المادة (27) على أن المال العام حرمةٌ وأمانةٌ يجب الحفاظ عليها وصيانتها، كما أكدت المادة (102) استقلال الهيئات الرقابية، ومنها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، بما يضمن أداء مهامها بعيدًا عن الضغوط والتجاذبات السياسية.
غير أن النجاح الحقيقي في مواجهة الفساد لا يتحقق عبر الخطابات الحماسية أو البيانات الإعلامية، بل يتطلب إجراءات عملية راسخة، في مقدمتها:
تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء أو تمييز.
تعزيز استقلالية السلطة القضائية وحماية قراراتها.
ملاحقة الأموال المنهوبة واستردادها إلى خزينة الدولة.
ترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة في شغل المناصب العامة.
إنهاء أنماط المحاصصة التي تُضعف الإدارة وتُقدِّم الولاءات على الكفاءات.
ختاما
إن مكافحة الفساد ليست مجرد مشروع إداري أو برنامج اقتصادي، بل هي قضية وطنية وأخلاقية وحضارية تمس جوهر الدولة ومستقبل المجتمع. وهي تمثل الركيزة الأساسية لاستعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وإعادة بناء العلاقة السليمة بين المواطن والدولة.
فالدولة الرشيدة لا تُبنى بقوة الأفراد مهما بلغت مكانتهم، وإنما تُبنى بسيادة القانون واحترام الدستور وترسيخ ثقافة المؤسسات. ولن يكتب لأي وطن نجاحٌ مستدام ما لم تصبح المساواة واقعًا معاشًا، وتغدو العدالة مظلةً جامعةً للجميع، دون تمييز بسبب المنصب أو النفوذ أو الانتماء السياسي.
وسيظل الضمير المطمئن، والسجل النظيف، والمسيرة الناصعة، أعظم ما يتركه المسؤول أو السياسي إرثًا لوطنه وتاريخ أمته والأجيال القادمة.
