• Monday, 27 July 2026
logo

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الفرضية العلمية... من يختبرها؟

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الفرضية العلمية... من يختبرها؟

تكشف دراسة حديثة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يجيب عن الأسئلة فقط؛ بل أصبح يشارك في صياغتها... لكن البرهان يبقى الحكم الأخير.

 قبل أكثر من 8 قرون، رأى الفيلسوف والطبيب ابن رشد أن الحقيقة لا يصنعها تراكم المعلومات وحده؛ بل يولدها العقل حين يحسن صياغة السؤال، ثم يختبره بالبرهان والتجربة. واليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقترب لأول مرة من دخول هذه الحلقة؛ لا ليجيب عن أسئلة العلماء فحسب، بل ليشارك في صياغة الفرضيات التي تبدأ منها رحلة الاكتشاف. وفي أحد أبحاث تليف الكبد، اقترح نظام ذكاء اصطناعي أهدافاً علاجية جديدة أثبتت التجارب المخبرية لاحقاً فاعلية اثنين منها، في مثال لافت على أن الآلة لم تعد تكتفي بتحليل المعرفة؛ بل بدأت تشارك في اقتراحها. ,قد تبدو هذه القصة استثنائية، لكنها ليست سوى واحدة من نتائج دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» في عددها الصادر في 9 يوليو (تموز) 2026، أعدها فريق من «غوغل ديب مايند» بالتعاون مع جامعات ومراكز أبحاث عالمية، بينها جامعة ستانفورد وإمبريال كوليدج لندن، كشفت عن نظام جديد يحمل اسم «الشريك العلمي» (Co-Scientist)، صُمم ليكون شريكاً للباحث في بناء الفرضيات العلمية، لا بديلاً عنه.

من مساعد علمي إلى شريك في التفكير

• كيف يعمل هذا «الشريك العلمي»؟ لا يقتصر دوره على البحث في الأدبيات أو تلخيص الأوراق المنشورة؛ بل يعمل بوصفه منظومة متعددة الوكلاء تحاكي بعض مراحل المنهج العلمي؛ من توليد الفرضيات ونقدها إلى مقارنتها وتحسينها قبل عرضها على الباحث.

يبدأ النظام بتلقي السؤال البحثي من العالم، ثم يبحث في المعارف المتاحة ليقترح فرضيات جديدة، قبل أن يُخضعها لمراجعات متتالية تختبر مدى جديتها، وتماسكها المنطقي، وإمكان التحقق منها عملياً. ولا يعمل هنا بوصفه آلة تصدر حكماً نهائياً، بل بوصفه شريكاً في حوار علمي، يطرح الاحتمالات ويترك للباحث اختيار ما يستحق أن ينتقل إلى المختبر.

وتؤكد الدراسة أن هذه العملية تقوم على مبدأ «العالِم في الحلقة»؛ فالإنسان هو من يحدد سؤال البحث، ويوجه النظام، ويراجع مخرجاته، ويتخذ القرار النهائي بشأن الفرضيات التي تستحق الاختبار؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوسع حدود الاحتمال، لكنه لا يملك وحده سلطة البرهان ولا مسؤولية الحكم. الصورة (2)

• «بطولة» بين الأفكار: لا يعمل «الشريك العلمي» بطريقة أنظمة الذكاء الاصطناعي التقليدية التي تبحث عن إجابة واحدة؛ بل يدير ما يشبه مناظرة علمية مستمرة؛ فهو يولد عدداً من الفرضيات، ثم يدفعها إلى منافسة متكررة لاختيار أكثرها قوة، في عملية لا تبحث عن أول فكرة، بل عن الفكرة التي تصمد أمام النقد.وتتولى وحدات متخصصة هذه المهمة؛ فإحداها تولد الفرضيات، وأخرى تراجع قوة الأدلة وإمكان اختبارها، بينما تدير وحدة ثالثة «بطولة للأفكار» تُقارن فيها الفرضيات في مواجهات متتالية، قبل أن تعيد وحدة رابعة تطوير أفضلها ودمج عناصر قوتها في مقترحات أكثر نضجاً. وهكذا، تتحول عملية الاكتشاف إلى دورة متواصلة من التوليد، والنقد، والمفاضلة، ثم التطوير.

تجارب لإثبات اقتراح الآلة

لم يكتفِ الباحثون بعرض نموذج نظري، بل أخضعوا «الشريك العلمي» لاختبارات عملية في 3 من أكثر مجالات الطب تعقيداً؛ حيث لم يكن المعيار جودة الفرضية، بل قدرتها على الصمود أمام التجربة.في سرطان الدم النخاعي الحاد (AML)، اقترح النظام إعادة توظيف أدوية معروفة وتراكيب دوائية مشتركة، وأظهرت نشاطاً مضاداً للخلايا السرطانية، كما عززت بعض التركيبات الدوائية فاعلية بعضها. وفي تليف الكبد، حدد 3 أهداف علاجية «فوق وراثية»، أثبت اثنان منها فاعلية ضد التليف، بينما كان أحد الأدوية المرشحة معتمداً أصلاً لعلاج مرض آخر، ما يفتح الباب أمام إعادة توظيفه. أما في المجال الثالث، فقد توصل بصورة مستقلة إلى الفرضية نفسها التي انتهى إليها فريق بحثي بعد سنوات من العمل لفهم آلية انتقال الجينات المقاومة للمضادات الحيوية بين البكتيريا، وذلك قبل نشر نتائجهم علمياً.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي أصبح عالماً مستقلاً؛ بل إنها تكشف تحولاً في دوره؛ فلم يعد يقتصر على تحليل المعرفة، بل أصبح يقترح مسارات بحث جديدة قد لا تخطر على أذهان العلماء. غير أن الفرضية، مهما بلغت درجة ذكائها، لا تتحول إلى معرفة إلا عندما يمنحها المختبر ما لا تستطيع الآلة أن تمنحه لنفسها: البرهان التجريبي.

لكن... من يتحمل المسؤولية؟ يبقى السؤال الأهم ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقترح فرضية علمية جيدة؟ بل: من يتحمل مسؤوليتها إذا تحولت إلى قرار علمي أو طبي؟

في الطب، قد تقود فرضية غير دقيقة إلى إهدار سنوات من البحث، أو إلى تجارب باهظة التكلفة، أو حتى إلى مسارات علاجية غير صحيحة. ولهذا، شدد الباحثون على أن «الشريك العلمي» لا يحل محل العالم؛ بل يعمل تحت إشرافه؛ فهو يقترح الفرضيات ويحللها وينقدها، لكن قرار اختبارها واعتمادها يبقى مسؤولية الباحث وحده.

ولهذا، أفردت الدراسة جانباً مهماً لموضوع الحوكمة العلمية، مؤكدة ضرورة وجود ضوابط أخلاقية وآليات تحقق مستقلة، مع استمرار المراجعة البشرية في كل مرحلة، من الفرضية إلى التجربة ثم إلى التطبيق؛ فالذكاء الاصطناعي قد يسرّع طريق الاكتشاف، لكنه لا يستطيع أن ينقل مسؤولية العلم من الإنسان إلى الآلة.

إعادة تعريف دور الباحث

لعل الإنجاز الأهم لهذه الدراسة لا يكمن في أنها جعلت الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على المساهمة في التفكير العلمي؛ بل في أنها أعادت تعريف دور الباحث نفسه؛ فبعد أن كانت مهمة الآلة تقتصر على تحليل البيانات وتسريع الوصول إلى المعلومات، أصبحت اليوم تشارك في اقتراح الفرضيات التي تبدأ منها رحلة الاكتشاف العلمي.

ومع ذلك، تبقى هناك حدود لا تستطيع الآلة تجاوزها؛ فهي لا تملك حدس الباحث الذي تصنعه سنوات الخبرة، ولا حكمه العلمي في تفسير النتائج، ولا مسؤوليته الأخلاقية تجاه ما يكتشفه. صحيح أنها تستطيع أن تربط بين ملايين الأوراق العلمية في دقائق، وأن تكشف علاقات قد تغيب عن أكثر العقول خبرة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الفرضية يقينها العلمي.

وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد يجيب عن الأسئلة، بل أصبح شريكاً علمياً يقترح أسئلة جديدة تستحق أن تُطرح، ويكشف مسارات بحث ربما لم تكن لتخطر على بال الباحث. غير أن السؤال، مهما كان مبتكراً، لا يصبح اكتشافاً، والفرضية، مهما بدت مقنعة، لا تتحول إلى معرفة راسخة إلا عندما تصمد أمام التجربة.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها دراسة «الشريك العلمي»، فالتقدم الحقيقي لا يتمثل في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في أن توسع حدود ما يستطيع الإنسان أن يكتشفه. وكما أدرك ابن رشد قبل 8 قرون أن البرهان هو الحكم الأخير بين الآراء، يبدو أن عصر الذكاء الاصطناعي يعيد تأكيد الدرس ذاته: قد تقترح الآلة الفرضية، لكن الحقيقة لا تعترف إلا بالبرهان.

 

 

 

الشرق الاوسط

Top