• Sunday, 19 July 2026
logo

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألعاب رياضية، حيث يمارسن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تلتف كل لاعبة حول عمود معدني في وسط الغرفة تتمسك به وترقص، وسط مخاوف من الانزلاق والسقوط من أعلاه. هذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعاً جسدياً في البداية، وتترك في الجسد ندوباً وكدمات، لكنها مع ذلك تكون سبباً في تعافي الروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجاعهن القديمة، وتمنح أجسادهن كتلاً عضلية تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحتماله، وبالقدر نفسه تمنح أرواحهن قوة على المواجهة، وثقة بالنفس، ما يمنحهن قدرة على مواجهة مخاوفهن والندوب الروحية والنفسية اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً.

 
الرواية، الصادرة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بأن تجعل صالة الألعاب مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث؛ بل تصوغ هذا المكان بوصفه محركاً سردياً لمصائر الشخصيات، وفاعلاً في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة رياضية تمارس فيها الشخصيات المروي عنها نشاطاً رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى علاقة نفسية، فيغدو رفيقاً ومعالجاً نفسياً وصديقاً بديلاً، ورغم معدنيته وصلابته، فإنه أقل قسوة من البشر الذين تعاملت معهم هذه الشخصيات في الخارج، ويساعدهن في التطور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فالمكان هنا ملاذ، وفضاء للتعافي، وهو المركز الذي تلتقي فيه هذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلى هذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط.

لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بدءاً من «غادة»، التي تتأذى من فقر عائلتها وإقامتها في منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فتشعر بأن جزءاً من جسدها غريب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلاً عن إحساسها بالخجل من الندوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أما «شيماء»، رغم ثراء عائلتها، فتعاني من النبذ بسبب بدانتها المفرطة، بداية من إحساسها بأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مروراً بتنمر زميلاتها ومدرسيها عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولاً إلى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها.

الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بعقدة قديمة منذ طفولتها المبكرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخرى، فصارت تخشى أن تصبح مثل أمها، وتعاني من هجر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة في أن تكون مثل زوجة الأب المرغوب فيها، وليس الأم المرغوب عنها. أما «ريم» فمنذ طفولتها تعاني من سفر أبيها بحثاً عن المال، وموته في الغربة، وبخل أمها وجشعها المادي، ثم زواج ريم بأمر أمها من رجل ثري، اكتشفت بعد ذلك أنه عنين، وكان يضربها بقسوة وعنف كل ليلة تاركاً ندوباً في كل جسدها. الشخصية الخامسة «حلا»، صاحبة الصالة الرياضية، تعاني من كراهية كل من ينافسها، وتشعر منذ طفولتها بأنها ليست جميلة، خصوصاً بعد وفاة والدتها متأثرة بالسرطان، وزواج والدها من امرأة أخرى، لديها ابن وابنة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمجرد أنها جميلة وشعرها طويل، مقارنة بشعر حلا التي تخشى من سقوطه كما حدث مع أمها في أيامها الأخيرة.

تتبقى شخصية واحدة هي «فريدة»، مدربة اللعبة، الأكثر بروزاً في الرواية، والمعادل لعمود البول، فهي عمود الرواية، وكل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حولها، فهي الأكثر شعوراً بآلام كل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومحاولة تجاوزها والتعافي منها، حيث تمتلك من الرهافة وحدة الشعور ما يجعلها تنصت للألم والأوجاع الكامنة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني من متلازمة عدم الشعور بالألم منذ ولادتها، فلو اشتعلت بها النيران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيراً ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت.

قسمت الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، كل منها يحمل اسم إحدى الرقصات على البول، مثل «brass monkey» و«butterfly»، و«drama queen»، و«hello boys»، و«suicide spin»، ويبدو اسم كل فصل ولعبة دالاً على أزمة الشخصية المحكي عنها داخله، فهذه الرقصات أو الألعاب موظفة فنياً لتتناسب مع أزمة كل شخصية، والنجاح في اللعبة يأتي متناغماً مع تجاوز الأزمات. وكل فصل ينقسم إلى قسمين؛ الأول يحمل اسم إحدى الشخصيات، وتروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تماماً من أوجاعها، والقسم الثاني عن فريدة، التي تأتي حكايتها مجزأة عبر كل الفصول، ومتخللة كل الحكايات؛ فهي مركز الحكي، وهي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المتكلم، في حين أن كل الشخصيات الخمس الأخرى تحكي عنهن الساردة بضمير الغائب، عبر تقنية الراوي العليم.

تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها في صالة الرقص، ثم تعود الساردة عبر تقنية الاسترجاع إلى تاريخ المحكي عنها، لنتعرف على حكايتها منذ طفولتها، وكيفية وصولها إلى هذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في البداية مع اللعبة التي تبدو عنيفة وصعبة عليهن، ويبدو التوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والسقوط في الحياة والأوجاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتفاع بعيداً عن الأرض، بالتوازي مع الانفلات من جاذبية الماضي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لذلك، يبدو الزمن داخل هذه الصالة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمن للمتعة والتعافي والتجاوز، في حين أن الزمن خارجها يبدو زمناً للآلام.

 

 

 

الشرق الاوسط

Top