عندما تتقدم المصلحة العامة على الخلافات السياسية
أ.د كامران الصالحی
تمر الأقاليم والكيانات السياسية في مختلف أنحاء العالم بمحطات تتطلب قدراً عالياً من الحكمة وضبط النفس، ولا سيما عندما تكون الخلافات بين القوى السياسية الرئيسة مرشحة للتصعيد. وفي إقليم كوردستان، الذي استطاع عبر سنوات طويلة بناء تجربة سياسية وإدارية متميزة رغم التحديات، تبرز اليوم الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تغليب المسؤولية الوطنية على حساب الخلافات الحزبية.
إن الحزبين الرئيسيين في الإقليم يتحملان مسؤولية تاريخية لا تقتصر على إدارة التنافس السياسي، بل تمتد إلى حماية الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يمثل ركيزة أساسية لمستقبل الإقليم. فالتنافس السياسي مشروع، والاختلاف في الرؤى أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، لكن توسيع دائرة الصراع وتحويله إلى حالة استقطاب مفتوح ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الخلاف الحزبي لتصيب صورة الإقليم ومؤسساته وثقة مواطنيه وشركائه.
إن أي تصعيد سياسي غير محسوب ينعكس أولاً على سمعة الإقليم، ويبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، والشركاء الدوليين، والرأي العام، مفادها أن الخلافات الداخلية أصبحت تعيق قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بكفاءة. كما يؤدي ذلك إلى إثارة حالة من عدم اليقين، ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم، ويولد شعوراً بأن المصالح الحزبية أصبحت تتقدم على المصلحة العامة.
ولا تقتصر الآثار على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والتنمية والخدمات، إذ إن الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار المشاريع الاستثمارية، وجذب رؤوس الأموال، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة. وكلما ارتفعت حدة الصراع السياسي، ارتفعت معها كلفة عدم الاستقرار، ودفع المواطن الثمن بصورة مباشرة.
كما أن استمرار التوتر بين الحزبين قد يضعف الثقة بقدرة الإقليم على إدارة شؤونه بنفسه، وهي مسألة بالغة الحساسية في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تتطلب موقفاً داخلياً متماسكاً. فنجاح أي تجربة سياسية لا يقاس بغياب الخلافات، وإنما بقدرة مؤسساتها وقواها السياسية على إدارة تلك الخلافات ضمن الأطر الدستورية والقانونية، بعيداً عن التصعيد الإعلامي أو الخطابات التي تؤدي إلى تعميق الانقسام.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي من القيادات السياسية أن تدرك أن الخلافات، مهما بلغت حدتها، ينبغي أن تبقى ضمن حدود التنافس الديمقراطي، وأن تُعالج بالحوار، والاحتكام إلى المؤسسات، وتقديم التنازلات المتبادلة عندما تفرض المصلحة العامة ذلك. فالتاريخ لا يتذكر حجم الخلافات بقدر ما يتذكر من استطاع تجاوزها حفاظاً على استقرار المجتمع ومستقبل الأجيال.
إن المرحلة الراهنة تستدعي خطاباً سياسياً هادئاً ومسؤولاً، يطمئن المواطنين ويعزز ثقتهم بالمؤسسات، ويؤكد أن وحدة الصف الداخلي ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية مكتسبات الإقليم وتعزيز مكانته. فالقوة الحقيقية لا تكمن في انتصار طرف على آخر، وإنما في قدرة الجميع على حماية التجربة السياسية من الانقسام، وصون مؤسساتها من الاهتزاز، والمحافظة على الاستقرار الذي يمثل أساس أي تقدم.
ويبقى الأمل قائماً بأن يدرك الجميع أن مستقبل إقليم كوردستان أكبر من أي خلاف سياسي عابر، وأن المحافظة على سمعته واستقراره وثقة مواطنيه هي مسؤولية مشتركة لا تحتمل المغامرة أو التصعيد، بل تتطلب الحكمة، والحوار، والإرادة الصادقة لتغليب المصلحة العامة على كل اعتبار.

گولان میدیا