• Tuesday, 30 June 2026
logo

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

قد تبدو حكّة لدغة الحشرة أو الطفح الجلدي لحظةً تمنح قدراً من الارتياح، لكن العلم اليوم يقدّم تفسيراً مختلفاً تماماً لهذا الشعور، ويكشف لماذا يتحوّل الحكّ إلى سلوك يفاقم المشكلة بدلاً من أن يخففها.

 
فمنذ الطفولة، يتكرر التحذير: لا تحكّ لدغة الحشرة؛ لأن ذلك سيجعلها أسوأ. غير أن السؤال الذي ظلّ مطروحاً لسنوات هو: كيف لشيء يمنح شعوراً بالراحة أن يقود إلى ضرر فعلي؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن الحكة ليست مجرد إحساس مزعج، بل استجابة بيولوجية معقدة قد ترتبط بأسباب مختلفة، بعضها بسيط كلسعة بعوض، وبعضها الآخر مرتبط بأمراض جلدية أو التهابات أعمق. وفي كل الحالات، يبدو أن الحكّ المفرط يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات الالتهابية داخل الجلد.

ولفهم هذه الآلية، لجأ الباحثون إلى تجارب مخبرية على الفئران، شملت وضع «أقماع عار» بيطرية صغيرة لمنعها من حكّ المناطق المصابة، ثم مقارنة النتائج مع فئران أخرى تُركت لتقوم بالحكّ بشكل طبيعي. وكانت النتيجة لافتة: الفئران التي مُنعت من الحكّ أظهرت تورماً أقل واستجابة التهابية أضعف، ما يشير إلى أن الحكّ نفسه ليس مجرد رد فعل، بل عامل يفاقم الالتهاب، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وفي تجربة أخرى، استخدم الباحثون مواد مهيّجة تُسبب طفحاً جلدياً على آذان الفئران، ولاحظوا أن الحيوانات التي حكّت المناطق المصابة شهدت تدفّقاً أكبر للخلايا المناعية، مقارنةً بتلك التي لم تتمكن من الحكّ. ما يعزز الفرضية بأن الحكّ يدخل الجلد في دائرة مغلقة من التهيّج المتزايد.

ويشرح أطباء الجلد أن الخلايا البدينة (Mast Cells)، وهي من أوائل الخلايا المناعية استجابةً لأي تهيّج، تلعب دوراً محورياً في هذه العملية؛ إذ تطلق مواد مثل الهيستامين تزيد الإحساس بالحكة. لكن الجديد في الأبحاث أن الحكّ نفسه يمكن أن ينشّط هذه الخلايا عبر إشارات عصبية مرتبطة بالألم، مما يؤدي إلى تضخيم الاستجابة الالتهابية.

ومن اللافت أن الحكّ لا يبدو مجرد رد فعل بشري؛ إذ يُلاحظ سلوك مشابه لدى بعض الحيوانات وحتى الأسماك، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بوجود أصل تطوري لهذا السلوك، ربما كآلية دفاع ضد الطفيليات أو الميكروبات.

ورغم هذا التفسير التطوري المحتمل، يؤكد الباحثون أن الفائدة لا تبرر الضرر. ويقول أحدهم: «إذا تُركت لدغة البعوض دون حكّ، فإنها غالباً تختفي خلال دقائق، أما الحكّ فيحوّلها إلى التهاب قد يستمر لأيام».

ومع ذلك، تبقى الإجابة عن سبب شعور الحكّ بالراحة في لحظته الأولى مثار نقاش علمي. بعض الفرضيات تشير إلى أنه قد يكون آلية قديمة للتخلص من الطفيليات، بينما تشير أخرى إلى دوره في تعزيز استجابة مناعية محدودة ضد بعض البكتيريا الجلدية.

لكن الخلاصة الطبية لا تزال ثابتة: الحكّ يفاقم الالتهاب أكثر مما يخففه.

أما عملياً، فينصح الأطباء بعلاجات بسيطة لتخفيف الحكة، مثل كريمات الهيدروكورتيزون، وغسول الكالامين، أو حمّامات الشوفان، إلى جانب مضادات الهيستامين في بعض الحالات. كما قد تساعد الكريمات المحتوية على المنثول في خداع الجلد وإحلال إحساس البرودة محل الحكة، ما يمنح فرصة لكسر الحلقة المفرغة بين الإحساس والاستجابة.

ويختصر أحد الباحثين الأمر بالقول: «إن أخطر ما في الحكة ليس الإحساس نفسه، بل الاستسلام له؛ لأن الحكّ قد يبدو لحظة راحة... لكنه في الواقع بداية دائرة التهاب متصاعدة».

 

 

 

الشرق الاوسط

Top