• Sunday, 28 June 2026
logo

مـا حـاجـة الـكـورد إلـى بـنـاء أكـبـر صـرحٍ مـعـمـاريٍّ عـالـمـي؟

مـا حـاجـة الـكـورد إلـى بـنـاء أكـبـر صـرحٍ مـعـمـاريٍّ عـالـمـي؟

جمال الدين حمي

منذ الإعلان عن مشروع جامع بارزاني الكبير ، ظهرت أصوات ترى أن الأموال التي ستُنفق على هذا المشروع كان الأولى أن تُصرف على بناء المدارس أو الجامعات ، ولا شك أن الاهتمام بالتعليم من أعظم الواجبات ، لكن تصوير المسألة على أنها خيار بين المسجد أو المدرسة ، أو الجامعة أو المَعلَم الحضاري ، ليس تصويرًا دقيقًا ، فالأمم الناهضة لا تبني جانبًا وتهمل جانبًا آخر ، وإنما تجمع بين بناء الإنسان ، وبناء الحضارة ، وبناء الهوية .

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب العظيمة  لم تكتفِ بإنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات ، بل أقامت أيضًا صروحًا عمرانية خالدة ، وأصبحت مع مرور الزمن رموزًا وطنية ، وعلاماتٍ حضارية ، وواجهاتٍ سياحية يعرفها العالم كله .

ومـن أشـهـر هـذه الـمـعـالـم عـلـى سبـيـل الـمـثـال لا الـحـصـر :

1 - برج إيفل في فرنسا .

2 - ساعة بيغ بن في المملكة المتحدة .

3 - تاج محل في الهند .

4 - آيا صوفيا في تركيا .

5 - أهرامات الجيزة في مصر .

6 - سور الصين العظيم في الصين .

7 - الكولوسيوم في إيطاليا .

8 - البتراء في الأردن .

9 - دار أوبرا سيدني في أستراليا .

10 - برج خليفة في دولة الإمارات العربية المتحدة .

إن هذه المعالم ليست مجرد أحجار شاهقة أو مبانٍ ضخمة ، بل أصبحت جزءًا من هوية أوطانها وشعوبها ، حتى إن اسم الدولة يقترن في أذهان الناس بمعلمها الأشهر ، فمن يذكر فرنسا يتبادر إلى ذهنه برج إيفل، ومن يذكر الهند يتذكر تاج محل ، ومن يذكر مصر يستحضر في ذهنه الأهرامات وغير ذلك ، وبعد عقود من الزمن ، من سيذكر كوردستان ، فحتمًا سيستحضر في ذهنه ، جامع بارزاني الكبير .

فإذا كان لكل أمة رمزٌ عمراني يميزها ، فلماذا يُستكثر على الشعب الكوردي ، أن يكون له صرح عالمي يعبر عن حضارته ، ويجسد هويته ، ويُعرف به بين شعوب الأرض؟

بل إن كثيرًا من هذه المعالم ، لم تُبنَ لأن أصحابها كانوا في غنى عن المدارس أو الجامعات ، أو لأنهم كانوا بحاجة إلى صرف هذه الأموال في أمور أخرى ، وإنما لأنهم أدركوا أن الحضارة لا تقوم على التعليم وحده ، بل تحتاج أيضًا إلى رموزٍ خالدة تحفظ ذاكرة الأمة ، وتعكس شخصيتها ، وتقدمها إلى العالم بصورة مشرقة .

ولو تأملنا اليوم في أشهر المعالم العالمية ، لوجدنا أنها تستقبل ملايين الزوار سنويًا ، وتدر على بلدانها مليارات الدولارات بصورة مباشرة وغير مباشرة ، من خلال السياحة والفنادق ، والمطاعم والأسواق ، والنقل والاستثمار وفرص العمل ونحو ذلك ، ولذلك لم تعد المعالم الكبرى مجرد مبانٍ تاريخية ، بل أصبحت مشاريع اقتصادية وثقافية وسياحية مستدامة ، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني لعقود طويلة .

ومن هذا المنطلق ، فإن جامع بارزاني الكبير ، يمكن أن يتحول إلى أكثر من مسجد ، إذ يمكن أن يكون معلمًا حضاريًا عالميًا ، وأن يتم إدراجه إلى التراث العالمي ، إذا أُحسن تصميمه وإدارته ، وأُلحقت به مرافق ثقافية وسياحية وتعليمية تليق بمكانته ، وهو داخل في مخطط البناء بكل تأكيد كما أُعلن عنه .

ومـن أبـرز الـفـوائـد الـمـتـوقـعـة لـهـذا الـمـشـروع :

أولًا : ترسيخ الهوية الحضارية للشعب الكوردي ، وإبراز أصالته وثقافته أمام شعوب العالم .

ثانيًا : إيجاد مَعلَم عالمي يقترن اسم كوردستان به ، كما تقترن أسماء الدول بمعالمها المشهورة .

ثالثًا : تنشيط السياحة الدينية والثقافية ، وجذب الزائرين من مختلف دول العالم .

رابعًا : دعم الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الإنفاق على الفنادق ، والمطاعم ، والأسواق ووسائل النقل ، وسائر الخدمات.

خامسًا : توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة أثناء الإنشاء وبعد الافتتاح ، ولمن سيعملون بصورة دائمة في المنشآت المرافقة للجامع .

سادسًا : إبراز العمارة الإسلامية الممزوجة بالهوية الكوردية ، لتصبح نموذجًا معماريًا فريدًا ، ليبرز الوجه الحضاري والإسلامي للشعب الكوردي .

سابعًا : تعريف الزائرين من حول العالم بتاريخ الشعب الكوردي ، وبثقافته وتراثه وبقضيته العادلة والمشروعة ، وكسب المزيد من الأصدقاء والداعمين للقضية الكوردية حول العالم ، وذلك من خلال إنشاء متحف ، ومركز ثقافي ، وقاعات عرض ملحقة بالمسجد ، تُبرز تاريخ كوردستان وإسهاماتها ، وتاريخ البارزانيين ونضالهم الوطني العريق عبر عقود طويلة من الزمن .

ثامنًا : استضافة المؤتمرات العلمية والملتقيات والندوات الدينية والثقافية ، مما يعزز مكانة كوردستان العلمية والثقافية بين شعوب العالم .

تاسعًا : غرس روح الاعتزاز بالهوية والانتماء في نفوس الأجيال الكوردية القادمة ، فالمعالم الكبرى ليست حجارة صامتة ، بل رموز تصنع الذاكرة الجماعية للشعوب .

عاشرًا : أن يبقى هذا الصرح شاهدًا حضاريًا خالدًا ، يورثه الجيل الحاضر للأجيال القادمة ، كما ورثت الأمم الحالية آثار من سبقها .

الحادي عشر : إدخال اسم كوردستان إلى خارطة السياحة العالمية ، فالمعالم الكبرى هي أول ما يبحث عنها السائح عند زيارة أي بلد .

الثاني عشر : رفع القيمة الاستثمارية للمنطقة المحيطة بالجامع ، إذ ترتفع قيمة الأراضي والعقارات ، وتنشأ فنادق ومطاعم وأسواق ومراكز تجارية ، مما سيحرك هذا من عجلة الاقتصاد والتنمية .

الثالث عشر : تحويل المشروع إلى مركز حضاري متكامل ، إذا ضم مكتبة كبرى ، ومتحفًا للتراث الكوردي ، وقاعات للمؤتمرات ، ومركزًا للدراسات الإسلامية والكوردية ، وهي موجودة بالفعل داخل مخطط بناء هذا المسجد الكبير .

الرابع عشر : استضافة المؤتمرات الإسلامية والدولية ، مما يجعل كوردستان حاضرة في الفعاليات الفكرية والدينية والثقافية .

الخامس عشر : تشجيع الإبداع المعماري الكوردي ، بحيث يصبح الجامع مدرسة معمارية تعكس الهوية الكوردية في الفن الإسلامي .

السادس عشر : تعزيز القوة الناعمة لكوردستان ، فالمعالم الحضارية تؤثر في صورة الشعوب عالميًا ، أكثر مما تؤثر بها الخطابات السياسية .

السابع عشر : حفظ الذاكرة الوطنية ، فالأمم تحتاج إلى رموز مادية تخلد تاريخها وشخصياتها الكبرى ، كما تفعل جميع الشعوب .

الثامن عشر : تعريف العالم بالإسلام المعتدل في كوردستان ، من خلال الأنشطة العلمية والثقافية التي يمكن أن يحتضنها الجامع .

التاسع عشر : تحفيز مشاريع عمرانية أخرى ، إذ كثيرًا ما تكون المعالم الكبرى نواة لتطوير أحياء ومدن كاملة .

العشرون : إحياء الصناعات والحرف التقليدية الكوردية ، باستعمال الزخارف والنقوش ، والأحجار المحلية والسجاد ، والأعمال اليدوية في البناء والتأثيث داخل الجامع وفي المرافق التابعة له ، وتكون مستمدة من التراث والفلكلور الكوردي ، وتعبر عن ثقافة الكورد الأصيلة .

الحادي والعشرون : تنمية الانتماء الوطني ، فوجود معلم عالمي يشعر المواطن الكوردي بأن لوطنه رمزًا يفخر به أمام الأمم .

الثاني والعشرون : توفير مصدر دخل دائم من خلال رسوم زيارة المنشآت الملحقة بالجامع ، كالمتحف والمتاجر الثقافية والمطاعم ، والمواقف والفعاليات ، بما يخفف جزءًا من تكاليف الصيانة .

الثالث والعشرون : إيجاد بيئة علمية حين يُلحق بالجامع معهدٌ للقرآن ، أو كلية شرعية ، أو مركز للبحوث العلمية ، أو مكتبة عامة .

الرابع والعشرون : إبراز قدرة الكفاءات الكوردية في الهندسة والعمارة والتخطيط والبناء ، إذا أُسند تنفيذ أجزاء كبيرة من المشروع إلى مهندسين وفنانين محليين .

الخامس والعشرون : إرث حضاري للأجيال القادمة ، فالمعالم الكبرى تُبنى لعشرات أو مئات السنين ، ولا يُقاس أثرها بسنوات إنشائها ، بل بما تقدمه للأجيال المتعاقبة .

فلو تأملنا بما يجري عند بقية شعوب العالم ، سنجد أن كثيرًا من الجامعات العالمية العريقة ، والمتاحف الكبرى ، والحدائق الوطنية ، ودور الأوبرا والمعالم التاريخية ، كلها تتعايش في المدينة الواحدة ، ولا يرى العقلاء تعارضًا بين وجودها ، لأن لكل واحد منها وظيفة مختلفة تخدم المجتمع ، فكما تحتاج الأمة إلى جامعة تُخرّج العلماء ، تحتاج أيضًا إلى معلم حضاري يحفظ هويتها ، ويجذب الأنظار إليها ، ويكون عنوانًا لها في العالم .

ولو كان معيار الاعتراض هو كلفة المشروع ، لما بقي في العالم معلم عظيم ، فبرج إيفل ودار أوبرا سيدني ، وبرج خليفة ، وسور الصين العظيم ، وغيرها من الصروح ، كانت جميعها مشاريع باهظة التكلفة عند إنشائها ، وتعرض بعضها لانتقادات شديدة ، لكن الزمن أثبت أنها أصبحت من أعظم الأصول الحضارية والاقتصادية لتلك الدول ، فكثير من المشاريع الكبرى لا تظهر ثمارها في سنة أو سنتين ، وإنما خلال عقود ، حتى تصبح جزءًا من هوية الأمة ، وموردًا اقتصاديًا ، ورمزًا خالدًا لها .

أما من الناحية الشرعية ، فإن بناء المساجد من أجلِّ القربات ، وقد قال رسول الله ﷺ : ( من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة ) وإذا اجتمع في المسجد أداء رسالته الدينية ، مع رسالته الحضارية والثقافية والسياحية ، كان ذلك خيرًا على الدين والوطن معًا .

فكما أن بناء المدارس والجامعات ضرورة لا غنى عنها ، فإن بناء المعالم الحضارية أيضًا حاجة من حاجات الأمم ، وليس من الحكمة أن نجعل أحدهما في مواجهة الآخر ، بل الحكمة أن نعمل على تحقيقهما جميعًا ، ليكون للشعب الكوردي تعليمٌ متقدم ، واقتصادٌ مزدهر ، وهويةٌ راسخة ، ورمزٌ حضاري يليق بتاريخه ومكانته .

 ونسأل الله تعالى أن يبارك في كل مشروع يعود بالنفع على كوردستان وأهلها ، وأن يجعل جامع بارزاني الكبير منارةً للإيمان ، والعلم والحضارة ، ورمزًا خالدًا يفتخر به أبناء كوردستان ، ويعرف العالم من خلاله جانبًا من تاريخهم وثقافتهم وأصالتهم ، هذا رأيي والله أعلم وأحكم.

 

 

 

 

Top