مـا حـاجـة الـكـورد إلـى بـنـاء أكـبـر صـرحٍ مـعـمـاريٍّ عـالـمـي؟
جمال الدين حمي
منذ الإعلان عن مشروع جامع بارزاني الكبير ، ظهرت أصوات ترى أن الأموال التي ستُنفق على هذا المشروع كان الأولى أن تُصرف على بناء المدارس أو الجامعات ، ولا شك أن الاهتمام بالتعليم من أعظم الواجبات ، لكن تصوير المسألة على أنها خيار بين المسجد أو المدرسة ، أو الجامعة أو المَعلَم الحضاري ، ليس تصويرًا دقيقًا ، فالأمم الناهضة لا تبني جانبًا وتهمل جانبًا آخر ، وإنما تجمع بين بناء الإنسان ، وبناء الحضارة ، وبناء الهوية .
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب العظيمة لم تكتفِ بإنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات ، بل أقامت أيضًا صروحًا عمرانية خالدة ، وأصبحت مع مرور الزمن رموزًا وطنية ، وعلاماتٍ حضارية ، وواجهاتٍ سياحية يعرفها العالم كله .
ومـن أشـهـر هـذه الـمـعـالـم عـلـى سبـيـل الـمـثـال لا الـحـصـر :
1 - برج إيفل في فرنسا .
2 - ساعة بيغ بن في المملكة المتحدة .
3 - تاج محل في الهند .
4 - آيا صوفيا في تركيا .
5 - أهرامات الجيزة في مصر .
6 - سور الصين العظيم في الصين .
7 - الكولوسيوم في إيطاليا .
8 - البتراء في الأردن .
9 - دار أوبرا سيدني في أستراليا .
10 - برج خليفة في دولة الإمارات العربية المتحدة .
إن هذه المعالم ليست مجرد أحجار شاهقة أو مبانٍ ضخمة ، بل أصبحت جزءًا من هوية أوطانها وشعوبها ، حتى إن اسم الدولة يقترن في أذهان الناس بمعلمها الأشهر ، فمن يذكر فرنسا يتبادر إلى ذهنه برج إيفل، ومن يذكر الهند يتذكر تاج محل ، ومن يذكر مصر يستحضر في ذهنه الأهرامات وغير ذلك ، وبعد عقود من الزمن ، من سيذكر كوردستان ، فحتمًا سيستحضر في ذهنه ، جامع بارزاني الكبير .
فإذا كان لكل أمة رمزٌ عمراني يميزها ، فلماذا يُستكثر على الشعب الكوردي ، أن يكون له صرح عالمي يعبر عن حضارته ، ويجسد هويته ، ويُعرف به بين شعوب الأرض؟
بل إن كثيرًا من هذه المعالم ، لم تُبنَ لأن أصحابها كانوا في غنى عن المدارس أو الجامعات ، أو لأنهم كانوا بحاجة إلى صرف هذه الأموال في أمور أخرى ، وإنما لأنهم أدركوا أن الحضارة لا تقوم على التعليم وحده ، بل تحتاج أيضًا إلى رموزٍ خالدة تحفظ ذاكرة الأمة ، وتعكس شخصيتها ، وتقدمها إلى العالم بصورة مشرقة .
ولو تأملنا اليوم في أشهر المعالم العالمية ، لوجدنا أنها تستقبل ملايين الزوار سنويًا ، وتدر على بلدانها مليارات الدولارات بصورة مباشرة وغير مباشرة ، من خلال السياحة والفنادق ، والمطاعم والأسواق ، والنقل والاستثمار وفرص العمل ونحو ذلك ، ولذلك لم تعد المعالم الكبرى مجرد مبانٍ تاريخية ، بل أصبحت مشاريع اقتصادية وثقافية وسياحية مستدامة ، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني لعقود طويلة .
ومن هذا المنطلق ، فإن جامع بارزاني الكبير ، يمكن أن يتحول إلى أكثر من مسجد ، إذ يمكن أن يكون معلمًا حضاريًا عالميًا ، وأن يتم إدراجه إلى التراث العالمي ، إذا أُحسن تصميمه وإدارته ، وأُلحقت به مرافق ثقافية وسياحية وتعليمية تليق بمكانته ، وهو داخل في مخطط البناء بكل تأكيد كما أُعلن عنه .
ومـن أبـرز الـفـوائـد الـمـتـوقـعـة لـهـذا الـمـشـروع :
أولًا : ترسيخ الهوية الحضارية للشعب الكوردي ، وإبراز أصالته وثقافته أمام شعوب العالم .
ثانيًا : إيجاد مَعلَم عالمي يقترن اسم كوردستان به ، كما تقترن أسماء الدول بمعالمها المشهورة .
ثالثًا : تنشيط السياحة الدينية والثقافية ، وجذب الزائرين من مختلف دول العالم .
رابعًا : دعم الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الإنفاق على الفنادق ، والمطاعم ، والأسواق ووسائل النقل ، وسائر الخدمات.
خامسًا : توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة أثناء الإنشاء وبعد الافتتاح ، ولمن سيعملون بصورة دائمة في المنشآت المرافقة للجامع .
سادسًا : إبراز العمارة الإسلامية الممزوجة بالهوية الكوردية ، لتصبح نموذجًا معماريًا فريدًا ، ليبرز الوجه الحضاري والإسلامي للشعب الكوردي .
سابعًا : تعريف الزائرين من حول العالم بتاريخ الشعب الكوردي ، وبثقافته وتراثه وبقضيته العادلة والمشروعة ، وكسب المزيد من الأصدقاء والداعمين للقضية الكوردية حول العالم ، وذلك من خلال إنشاء متحف ، ومركز ثقافي ، وقاعات عرض ملحقة بالمسجد ، تُبرز تاريخ كوردستان وإسهاماتها ، وتاريخ البارزانيين ونضالهم الوطني العريق عبر عقود طويلة من الزمن .
ثامنًا : استضافة المؤتمرات العلمية والملتقيات والندوات الدينية والثقافية ، مما يعزز مكانة كوردستان العلمية والثقافية بين شعوب العالم .
تاسعًا : غرس روح الاعتزاز بالهوية والانتماء في نفوس الأجيال الكوردية القادمة ، فالمعالم الكبرى ليست حجارة صامتة ، بل رموز تصنع الذاكرة الجماعية للشعوب .
عاشرًا : أن يبقى هذا الصرح شاهدًا حضاريًا خالدًا ، يورثه الجيل الحاضر للأجيال القادمة ، كما ورثت الأمم الحالية آثار من سبقها .
الحادي عشر : إدخال اسم كوردستان إلى خارطة السياحة العالمية ، فالمعالم الكبرى هي أول ما يبحث عنها السائح عند زيارة أي بلد .
الثاني عشر : رفع القيمة الاستثمارية للمنطقة المحيطة بالجامع ، إذ ترتفع قيمة الأراضي والعقارات ، وتنشأ فنادق ومطاعم وأسواق ومراكز تجارية ، مما سيحرك هذا من عجلة الاقتصاد والتنمية .
الثالث عشر : تحويل المشروع إلى مركز حضاري متكامل ، إذا ضم مكتبة كبرى ، ومتحفًا للتراث الكوردي ، وقاعات للمؤتمرات ، ومركزًا للدراسات الإسلامية والكوردية ، وهي موجودة بالفعل داخل مخطط بناء هذا المسجد الكبير .
الرابع عشر : استضافة المؤتمرات الإسلامية والدولية ، مما يجعل كوردستان حاضرة في الفعاليات الفكرية والدينية والثقافية .
الخامس عشر : تشجيع الإبداع المعماري الكوردي ، بحيث يصبح الجامع مدرسة معمارية تعكس الهوية الكوردية في الفن الإسلامي .
السادس عشر : تعزيز القوة الناعمة لكوردستان ، فالمعالم الحضارية تؤثر في صورة الشعوب عالميًا ، أكثر مما تؤثر بها الخطابات السياسية .
السابع عشر : حفظ الذاكرة الوطنية ، فالأمم تحتاج إلى رموز مادية تخلد تاريخها وشخصياتها الكبرى ، كما تفعل جميع الشعوب .
الثامن عشر : تعريف العالم بالإسلام المعتدل في كوردستان ، من خلال الأنشطة العلمية والثقافية التي يمكن أن يحتضنها الجامع .
التاسع عشر : تحفيز مشاريع عمرانية أخرى ، إذ كثيرًا ما تكون المعالم الكبرى نواة لتطوير أحياء ومدن كاملة .
العشرون : إحياء الصناعات والحرف التقليدية الكوردية ، باستعمال الزخارف والنقوش ، والأحجار المحلية والسجاد ، والأعمال اليدوية في البناء والتأثيث داخل الجامع وفي المرافق التابعة له ، وتكون مستمدة من التراث والفلكلور الكوردي ، وتعبر عن ثقافة الكورد الأصيلة .
الحادي والعشرون : تنمية الانتماء الوطني ، فوجود معلم عالمي يشعر المواطن الكوردي بأن لوطنه رمزًا يفخر به أمام الأمم .
الثاني والعشرون : توفير مصدر دخل دائم من خلال رسوم زيارة المنشآت الملحقة بالجامع ، كالمتحف والمتاجر الثقافية والمطاعم ، والمواقف والفعاليات ، بما يخفف جزءًا من تكاليف الصيانة .
الثالث والعشرون : إيجاد بيئة علمية حين يُلحق بالجامع معهدٌ للقرآن ، أو كلية شرعية ، أو مركز للبحوث العلمية ، أو مكتبة عامة .
الرابع والعشرون : إبراز قدرة الكفاءات الكوردية في الهندسة والعمارة والتخطيط والبناء ، إذا أُسند تنفيذ أجزاء كبيرة من المشروع إلى مهندسين وفنانين محليين .
الخامس والعشرون : إرث حضاري للأجيال القادمة ، فالمعالم الكبرى تُبنى لعشرات أو مئات السنين ، ولا يُقاس أثرها بسنوات إنشائها ، بل بما تقدمه للأجيال المتعاقبة .
فلو تأملنا بما يجري عند بقية شعوب العالم ، سنجد أن كثيرًا من الجامعات العالمية العريقة ، والمتاحف الكبرى ، والحدائق الوطنية ، ودور الأوبرا والمعالم التاريخية ، كلها تتعايش في المدينة الواحدة ، ولا يرى العقلاء تعارضًا بين وجودها ، لأن لكل واحد منها وظيفة مختلفة تخدم المجتمع ، فكما تحتاج الأمة إلى جامعة تُخرّج العلماء ، تحتاج أيضًا إلى معلم حضاري يحفظ هويتها ، ويجذب الأنظار إليها ، ويكون عنوانًا لها في العالم .
ولو كان معيار الاعتراض هو كلفة المشروع ، لما بقي في العالم معلم عظيم ، فبرج إيفل ودار أوبرا سيدني ، وبرج خليفة ، وسور الصين العظيم ، وغيرها من الصروح ، كانت جميعها مشاريع باهظة التكلفة عند إنشائها ، وتعرض بعضها لانتقادات شديدة ، لكن الزمن أثبت أنها أصبحت من أعظم الأصول الحضارية والاقتصادية لتلك الدول ، فكثير من المشاريع الكبرى لا تظهر ثمارها في سنة أو سنتين ، وإنما خلال عقود ، حتى تصبح جزءًا من هوية الأمة ، وموردًا اقتصاديًا ، ورمزًا خالدًا لها .
أما من الناحية الشرعية ، فإن بناء المساجد من أجلِّ القربات ، وقد قال رسول الله ﷺ : ( من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة ) وإذا اجتمع في المسجد أداء رسالته الدينية ، مع رسالته الحضارية والثقافية والسياحية ، كان ذلك خيرًا على الدين والوطن معًا .
فكما أن بناء المدارس والجامعات ضرورة لا غنى عنها ، فإن بناء المعالم الحضارية أيضًا حاجة من حاجات الأمم ، وليس من الحكمة أن نجعل أحدهما في مواجهة الآخر ، بل الحكمة أن نعمل على تحقيقهما جميعًا ، ليكون للشعب الكوردي تعليمٌ متقدم ، واقتصادٌ مزدهر ، وهويةٌ راسخة ، ورمزٌ حضاري يليق بتاريخه ومكانته .
ونسأل الله تعالى أن يبارك في كل مشروع يعود بالنفع على كوردستان وأهلها ، وأن يجعل جامع بارزاني الكبير منارةً للإيمان ، والعلم والحضارة ، ورمزًا خالدًا يفتخر به أبناء كوردستان ، ويعرف العالم من خلاله جانبًا من تاريخهم وثقافتهم وأصالتهم ، هذا رأيي والله أعلم وأحكم.
