نبضُ العراقِ الواحد: حين يمتزجُ الدمُ الكورديُّ بالعربي في طُهرِ "رقية"
دكتور مهند الجبوري
في قلبِ أرضِ السواد، حيثُ تتعانقُ دجلة والفرات، وتتداخلُ جبالُ كوردستان الشاهقة مع سهولِ الجنوبِ المعطاء، لا يُمثّلُ العراقُ مجردَ رقعةٍ جغرافية، بل هو سيمفونيةٌ أزليةٌ من التلاحمِ العريق. إنَّ التاريخَ الذي كتبناهُ معاً، حبراً ودمّاً، لا يعرفُ الحدودَ التي حاولَ الغرباءُ رسمها، فالعربي والكوردي في هذا الوطنِ صنوانِ لا يفترقان، يجمعهما همُّ الأرض، وقُدسيةُ التاريخ، ومصيرٌ واحدٌ مفعمٌ بالأمل. وحين نتحدثُ عن التلاحم، لا نبحثُ في بطونِ الكتب فحسب، بل ننظرُ إلى القلوب التي تنبضُ بحبِ الوطن، وهنا تبرزُ "رقية"، ابنةُ كربلاء الطاهرة، كأنموذجٍ حيٍّ وعميقٍ لهذا الانصهارِ الوجداني. إن رقية ليست مجرد اسم، بل هي تجسيدٌ لبراءةِ العراق الذي لا يعرفُ الطائفيةَ ولا القومية، بل يعرفُ الإنسانيةَ التي هي جوهرُ الإسلامِ ومعدنُ العراقيين؛ فحين تتعلقُ روحُ طفلةٍ عراقيةٍ بجذورها، وتجدُ في قلبِ الكوردي أخاً، وفي حضنِ العربي أباً، تتلاشى كلُّ الفوارقِ المصطنعة. إنَّ قصةَ رقية تذكّرنا بأنَّ دماءنا التي روت أرضَ العراق، من جبالِ أربيل والسليمانية إلى أزقةِ كربلاء والنجف، هي دماءٌ واحدةٌ تصرخُ في وجهِ كلِّ من حاولَ تفتيتَ عضدنا بأننا جسدٌ واحد. لقد كان التاريخُ العربي الكوردي في العراق حافلاً بمواقفِ البطولةِ المشتركة، حيث تقاسمنا كسرةَ الخبزِ في أوقاتِ الضيق، وتشاركنا الفرحَ في أيامِ الحصاد، ووقفنا صفاً واحداً في خنادقِ العزِ دفاعاً عن كرامةِ هذا البلد. لطالما كان الكورديُّ حارساً للبوابةِ الشماليةِ للوطن، وكان العربيُّ يحمي البوابةَ الجنوبية، وفي القلبِ والوسط، امتزجت الدماءُ لتصنعَ هويةً عراقيةً فريدةً لا تضاهى، فالروابطُ العائلية، والمصاهرة، والتعايشَ السلمي في المدنِ الممتدة من كركوك إلى خانقين، وصولاً إلى بغداد، هي أصدقُ برهانٍ على أنَّ التنوعَ في العراقِ ليس مصدرَ ضعف، بل هو سرُّ القوةِ والجمال. يا أيها العراقيون، يا من تجري في عروقكم دماءُ حضاراتِ سومر وبابل وآشور، ويا من تقتدون بفروسيةِ الأجداد؛ انظروا إلى طفلةٍ مثل رقية، فهي تنظرُ إلينا بعيونٍ بريئةٍ تطالبنا بالحفاظِ على هذا البيتِ الكبير. إنَّ الشغفَ الذي يجمعنا اليوم، هو ذاتُ الشغفِ الذي جعل أجدادنا يبنون هذا العراقَ العظيم، فلننبذ الفرقة، ونكسر جدران العزلة، ولنُعلِ صوتَ الإخاء؛ فالتلاحمُ العربي الكوردي ليس خياراً سياسياً، بل هو قدرٌ أخلاقيٌّ ووجوديٌّ نحملهُ في أعماقنا. ليكنْ دمنا واحداً، وليكنْ حلمنا واحداً، ولنقفْ كالبنيانِ المرصوص، نرددُ بصوتٍ واحدٍ يزلزلُ المرجفين: "عراقٌ واحدٌ، شعبٌ واحد، ومصيرٌ أبديٌّ لا ينفصم". في نهايةِ المطاف، يظلُّ العراقُ هو الخيمةَ التي تضمنا جميعاً، وببراءةِ "رقية" وبصلابةِ جبالنا وشموخِ نخيلنا، سيبقى التلاحمُ العربي الكورديُّ منارةً للأجيالِ القادمة، تُخبرهم بأننا كنا وسنبقى دائماً نبضاً واحداً في جسدِ وطنٍ لا تغيبُ عنه الشمس.

گولان میدیا