البيشمركة و الفصائل العراقية مقارنة مجحفة في قراءة استراتيجية
عبداللطيف محمدأمين موسى
إن العقيدة النضالية التي تأسست عليها قوات البيشمركة تُجسد حقيقة جوهرية، وهي الولادة من رحم المعاناة والظلم والقهر، وكافة محاولات أضعاف الإنتماء القومي الكوردستاني، ومحو الهوية الوطنية التي مارستها الأنظمة المتعاقبة على احتلال كوردستان، وكما أنها تشكلت نتيجة الظروف والتحديات السياسية الجيواستراتجية، والتعقيدات والمخاطر الأمنية التي مرّت بها المنطقة نتيجة إنهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسم ترِكتها إلى دول. تأسست قوات البيشمركة لتشكل الإرادة الشعبية الكوردية في الحفاظ على الوجود المصيري القومي في ظل التحديات ولاسيما المقاومة الشعبية النضالية والتي ارتبطت بنضال الشيخ عبدالسلام البارزاني ١٩٠٧ في مواجهة التحولات المصيرية التي رافقت نهاية الحرب العالمية الأولى وما رافقت نتائج مؤتمر الصلح في باريس لتحديد المسار الأساسي في إعادة ترتيب وهندسة الشرق الأوسط الجديد. أن الوجود التاريخي لقوات البيشمركة تجلى في العراقة والاصالة القومية التي سبقت تشكيل الدولة الملكية العراقية ١٩٢٠ وكذلك الدولة التركية الحديثة ١٩٢٣ والدولة السورية التي تشكلت في ظل الانتداب الفرنسي والكثير من جيوش الدول، لتحافظ قوات البيشمركة على الهوية القومية الكوردستانية التي لطالما حاولت الدول والتحالفات والمؤامرات الدولية والإقليمية إنكار الوجود القومي والتاريخي للشعب الكوردي على أرضه كوردستان. أن الوجود التاريخي لقوات البيشمركة يعبر عن شيئين في غاية؛ الأهمية الأولى يتمثل بأنها رمز للكرامة والتضحية والمقاومة الشعبية، وتاريخ الشعب الكُردي الذي جسدتها قوات البيشمركة كعنوان للهوية الكوردستانية، والحقيقة الثانية وهي أن قوات البيشمركة حافظت على إرادة الشعب الكوردي، ومثلت جوهرية صموده في مواجهة كافة المخططات والظروف والتحديات المصيرية التي لطالما أرادت إنهاء الوجود القومي التاريخي والثقافي للشعب الكُردي في بدايات القرن المنصرم والمتمثلة في إعادة ترتيب هندسة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية. أن هذا السردية التاريخية عن الوجود التاريخي لقوات البيشمركة، تؤكد حقيقة في غاية الأهمية الا وهي أن قوات البيشمركة ليست متشكلة نتيجة حدث أمني أو مرحلي لإداء مهمة محددة بفترة معينة على عكس الفصائل العراقية التي أردنا مقارنة بسيطة بينها وبين قوات البيشمركة من باب توضيح بعض الحقائق في أن هذه الفصائل والتي يحاول البعض الربط بينها وبين قوات البيشمركة لتحقيق اجندات خفية تدخل في خانة الصراع على النفوذ بحيث يمكن القول بأن الفصائل العراقية تشكلت نتيجة ظرف أمني محدد أو من أجل أداء غاية محددة لفترة محدودة، وهي محاربة داعش بمباركة أمريكية على عكس قوات البيشمركة التي تشكلت نتيجة إرادة شعبية ثورية كهوية وطنية وقومية للشعب الكُردي في بدايات القرن المنصرم . أن المقارنة تكون شبه مستحيلة بين قوات البيشمركة والفصائل العراقية من حيث الجوهر والشكل والمضمون والغاية لتقوم قوات البيشمركة في استمرارية أداء مهمتها النبيلة في التصدي للإرهاب الداعشي وتحطيم اسطورته كقوة تحمل معاني وقيم نبيلة تتجسد في الإنسانية وحماية وتحرير بيوت كنائس الأخوة المسيحين في الموصل فمثلت قوات البيشمركة أبرز معاني التعايش والتسامح والبطولة التي اشادت بها كافة ورؤساء العالم وكبرى مؤسسات الأمم المتحدة. المقارنة الثانية تمثلت بأن الكثير من الفصائل العراقية رهنت قرارها وإرادتها وعقيدتها القتالية إلى خارج الفضاء الوطني العراقي بخضوعها إلى القرارات والأوامر الإقليمية في جّر الدولة العراقية إلى الصراعات الإقليمية والدولية، ولتكون السبب الاساسي في التهديد الوجودي لاستمرارية الدولة العراقية وجرها إلى حروب داخلية وخارجية عبر القصف والأعمال العدائية للدول الإقليمية، وكذلك استهداف إقليم كوردستان في محاولة لاستهداف إرادة الشعب الكوردي وجعله اداءة في خدمة الأجندات والمصالح الإقليمية والدولية، وعلى عكس قوات البيشمركة التي رفضت بأن تكون ولائها وعقيدتها وسلاحها غير مرتهن إلا لغير الشعب الكُردي ولكوردستان، ولترفض أن تكون منطلقاً لتهديد لأي دولة إقليمة أو دولية، وبل رفضت مراراً وتكراراً بأن ترد على هذه التهديدات الاستهدافات من قبل إيران والفصائل الإرهابية لتأخذ مسار الصبر الاستراتيجي في عدم الإنجرار إلى الصراعات الإقليمية والدولية، وكما حسمت قرارها الوطني بأن لا تكون مصدر تهديد على العراق أو على اي دولة أخرى، بل لتعبر عن أسمى رسالة لها؛ الا وهي كما وصفها المرجع الكُردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني في أن البيشمركة تحارب من أجل إحلال السلام، أي أن المقارنة هنا تكمن في أن الفصائل العراقية رهنت قرارها لغير العراق على عكس قوات البيشمركة التي أبت إلا وأن يكون قرارها وسلاحها مرتهن إلا للشعب الكوردي. المقارنة الأخرى بين قوات البيشمركة والفصائل العراقية وهي أن هذه الفصائل والتي وصفقتها الكثير من بيانات الحكومة العراقية نفسها بالإرهابية نتيجة قصفها للكثير من المواقع في العراق وأقليم كوردستان والسبب في قتل الكثير من الأبرياء وأضررت بالبنية الاقتصادية في العراق وأقليم كوردستان على عكس ذلك أتصفت قوات البيشمركة بأنها رمز للسلام والإنسانية وحماية المكونات العراقية التي هربت من ظلم تلك الفصائل ولاسيما مناطق جرف الصخر والكثير من المحافظات الغربية العراقية واختارت إقليم كوردستان ملجئ الأمن والأمان والاستقرار بحماية قوات البيشمركة. في المحصلة يمكن القول بأن المغالطات الكثيرة والتي تحاول الكثير من الدول الإقليمية والعالمية سوقها في الربط بين قوات البيشمركة ونزع سلاح الفصائل العراقية؛ إنما هي مقارنة مفلسة وغير دقيقة بل تخدم اجندات تدخل في خانة الصراع على النفوذ ، وإنما هذه المغالطات تدخل في خانة استهداف الوجود القومي والوطني لإقليم كوردستان وقوات البيشمركة الدستوري في عراق فيدرالي، ولكن ستبقى هذه الاجندات عبارة عن مؤامرات مرحلية تتحطم أمام إرادة وبطولة وتاريخ قوات البيشمركة بقيادة المرجع الكُردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني والشعب الكوردستاني والشعوب المؤمنة بالتحرر والنضال ضد الديكتاتورية والظلم.
