• Friday, 26 June 2026
logo

الشاعر الكوردستاني الشهير لطيف هلمت لماذا تنازل عن الكتب عند نقطة التفتيش؟

الشاعر الكوردستاني الشهير لطيف هلمت لماذا تنازل عن الكتب عند نقطة التفتيش؟

كركوك- گولان العربي

لطيف هلمت الشاعر الكوردستاني الشهير يقرض الشعر وينشر الدواوين منذ أكثر من نصف قرن. كسب شهرته بأشعاره الرقيقة وقصائده الغنائية واسلوبه السهل الممتنع. ولد في مدينة كفري (1947)، عاش حياة الشعر وهو يتنقل بين العاصمة العراقية بغداد ومدن كوردستانية عديدة. كتب الشعر باللغتين الكوردية والعربية، ترجم الكثير ما بين هاتين اللغتين، كتب النقد والبحث وقصص وأشعار الأطفال وصدر له حتى الآن (80) كتابا. الناقد العراقي حاتم الصكر كتب عنه يقول "يتعمد مفاجأة قارئه واستفزازه بمفردات منتقاة بدقة لها مدلولات عميقة وراء ظاهره الرومانسي البسيط". ويتابع الصكر في تحليله للغة الشعرية لدى الشاعر هلمت موضحا، "هلمت خطى بعيدا عن تراث الشعر المتوارث باللغتين العربية والكوردية، لكنه بأدواته البسيطة وصوره العفوية يركب عالما يذكرك بقول (اليوت) عن الشاعر الجيد: انه ذلك الذي يعيد اليك أصواتا سالفة، وهذا ممكن في حالة هلمت الذي يقول شعرا كالريح.. لا يصدق".

تعد ثلاثية الشعر الكوردي في جنوب كوردستان (شيركو بيكس، عبدالله بشيو، لطيف هلمت) الظاهرة الأبرز في تاريخ الشعر الكوردي في هذا الجزء من كوردستان في النصف الثاني من القرن العشرين وبعد شاعر الطبيعة العملاق كوران. شيركو شاعر الثورة الكوردستانية، بشيو شاعر التمرد الكوردي، وهلمت شاعر الغزل والأحاسيس الوطنية الكوردية.

زار لفيف من الشخصيات الكركوكية هلمت في منزله في حي جوارباخ وسط مدينة السليمانية والتقوا به عن قرب. بدأ الشاعر بسرد بعض ذكرياته ورؤيته للحياة والوجود وتطرق الى عالم الشعر والأدب. وضمن سياق مراجعة لسيرته الذاتية، سرد هلمت حادثة نادرة ضمن مجريات حياته المليئة بالمواقف المثيرة، مجريات هذه الحادثة تقول:

في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، كان شاعر اذربيجاني معارض من ايران يعيش في عمق جبال كوردستان. شاءت الصدف وان التقى الكاتب والصحفي الكوردستاني طارق كاريزي بهذا الشاعر الاذربيجاني في الجبال. لقاء اتسم بأجواء أدبية نادرة، فتح فيه باب الحديث بين الجانبين عن الأدب والثقافة عموما. أبدى الشاعر الاذربيجاني اعجابه بالشاعر الكوردستاني لطيف هلمت، وأشار الى ان أشعارا لهلمت مترجمة من الكوردية الى الاذربيجانية والفارسية قرائها وكانت محل اعجابه الكبير. وسأل الشاعر الاذربيجاني ان كان بإمكان كاريزي ايصال نسخة واحدة من ديوانين احدهما بالاذربيجانية والآخر بالفارسية للشاعر الاذربيجاني كهدية منه الى لطيف هلمت. أبدى كاريزي استعداده التام لإيصال هذه الهدية رغم ما يحيط بذلك من مخاطر من جانب السلطات العراقية ونقاط التفتيش الأمنية عند مداخل المدن وهي تسأل وتتحرى كل شاردة وواردة.

استطاع طارق كاريزي ايصال الديوانين الى كركوك، فيما يسكن لطيف هلمت في السليمانية، تم اخطار الأخير باتصال هاتفي بالهدية المقدمة اليه. وهنا يتابع هلمت قصة الهدية اذ يقول "ذهبت الى كركوك واستلمت الهدية من كاريزي. العاملون في نقطة تفتيش طاسلوجة على بعد عشرين كيلومتر غرب مدينة السليمانية آنذاك، طلبوا الهويات من المسافرين. هويتي الصحافية كانت قديمة وشكك رجل الأمن بصحتها. طلبوا مني الترجل من السيارة، فتركت المظروف الذي فيه الكتابين، لكن المسافر الذي كان جالسا الى جانبي، نبهني وقال: يا سيد، لقد نسيت كتبك! أجبته وقلت له: لا يا أخي، هذه الكتب ليست لي! كرر كلامه مؤكدا، بأن الكتب الموجودة في المظروف هي لي، لكن من شدة خوفي التعرض للمحاسبة من قبل نقطة التفتيش في حال علمهم بأن ديوانين لشاعر من ايران ضبطتا معي، حيث ستكون عقوبتي قاسية جدا، خصوصا وان الحرب والصراع الايراني- العراقي كان على أشده آنذلك، لذلك اجبت المسافر الجالس بجواري بحدة وقلت له: كلا يا أخي.. كلا، هذه ليست كتبي".

السلطات العراقية قبل 2003 كانت تتعامل بحساسية مفرطة مع عالم الثقافة، وقد منعت الجهات المختصة في الحكومة العراقية مئات الكتب العربية والكوردية من التداول، والعثور على كتاب لشاعر ايراني من وجهة نظر السلطات آنذاك، كان يعني جرما لا يغتفر، ولشدة الرهبة التي أشاعتها السلطات العراقية آنذاك، أضطر هلمت التنكر للديوانين الذين اهديا اليه!

الشاعر الكوردستاني الشهير لطيف هلمت لماذا تنازل عن الكتب عند نقطة التفتيش؟

Top