• Sunday, 28 June 2026
logo

إِنَّهُ طَغَى

إِنَّهُ طَغَى

عصمت شاهين دوسكي

" المشاعر هي الوقود، والعقل هو الموجه المرشد." 

" كل الطغيان يبدأ من « أنا »، وينتهي بدمار الجميع."

قبل أن نستهل بجوهر الطغيان يجب أن نعرف ما هو الطغيان بصورة عامة، وبسهولة ومبسطة يمكن أن يعرف الطغيان إنه تجاوز الحدود بلا حساب، ويسيطر على حقوق غيره " أنانية وغرورا "، لهذا يرى نفسه فوق القانون، فوق البشر.

ونسأل: هل الطغيان حاضر في المشاعر والإحساس، إنسانيا ذاتيا..؟

نعم، حينما يطغى الإنسان على نفسه، يظلم نفسه بالتكبر، يغرق في شهواته، وفي نفس الوقت يحرمها أبسط حقوقها من التعلم والوعي والطموح وتحقيق الأهداف والراحة النفسية، هذا " الطغيان الداخلي " ربما يتحول إلى مرض مزمن، والطغيان على الآخر كأن تنهك كرامة شخص، تذله، تكذب عليه، تتحكم به، تكسر رأيه، وتفرض رأيك عليه، فالعواطف والمشاعر إذا طغت وترك العقل يكون: « قرارات سريعة وندم طويل ». العواطف أنت تتحكم بها وليس العكس، فالغضب والرد القاسي والموافقة على شيء لا ينفعك والهروب من الفرص الإيجابية وتضخيم الأمور وكثرة العيوب والفشل المتكرر ونسيان العواقب والتشبث بالمشكلات الصغيرة، تجرح أقرب الناس، والغيرة والشك والتهجم والتعلق الزائد بمن تحب والتعصب والقهر والحزن والمعاناة، كلها نتائج العواطف غير المستقرة، فتدخل في دوامة من عدم استقرار عاطفي والإحساس بالذنب والندم وأرق وتوتر وصداع، أتعلم لماذا..؟ لأنك تجاهلت العقل فلم يأخذ دوره الحقيقي.

لا تطغ على المشاعر ولا على العقل، « فالتوازن » بين الاثنين مهم جدا، فلا تكتم المشاعر؛ لأن استعمال العقل لوحده نصبح باردين جامدين كالآلات المتحركة، ونفقد الإلهام والحلم والحب والشغف والرحمة والإبداع، فالمشاعر هي الوقود والعقل هو الموجه المرشد، وذكر في القرآن الكريم:

«كلا إن الإنسان ليطغىٰ * أن رآه استغنىٰ».

أي: عندما يكون له سلطة، نفوذ، منصب، قوة أو مال، ينسى كل شيء، ويتعدى على حقوق وكرامة الآخرين، وما بالك في الطغيان الاجتماعي: قبيلة، عشيرة، مجموعات، فئات، طبقات غنية على طبقات فقيرة، كذلك طغيان الذكور على الإناث، والكبار على الصغار، وإشاراته الظاهرية والمكنونة، مجموعة « شلة » تحتكر الوظائف والفرص والتعليم والمناصب والإفادات، وتغلق الفرص على البقية، وهذا يعني « إلغاء الآخر»، وبعض العادات والتقاليد تتجلى كقضبان سجن يستغلها لغاية ما، هذا التنمر الفكري يطغى على الطموح ، ونتيجة كل هذا الطغيان يولد مجتمع من طبقات مختلفة مع الحقد الدفين وموت المواهب والارتقاء والعلم والوعي والتقدم إلى الأفضل؛ لأن المبدعين والعلماء والأدباء والمفكرين لم يأخذوا فرصهم الحقيقية التي سرقها الطغيان الفردي والمجتمعي والسياسي.

ولا شك أن الطغيان السياسي أخطر الأنواع؛ لأنه يملك ويتحكم بسلطة الدولة والمصادر العسكرية وبنود القانون، خاصة إنه بلا رقابة وبلا تداول سلمي على السلطة « الكفاءة »، وبعيدا عن حقوق الشعب، تصبح السلطة عنده مقدسة « فردا أو مجموعات »، ومن ينقدها تعتبر خيانة كبرى، التحكم بالقوة العسكرية والأمن والسلطة المالية وإعلام يخدم السلطة وغلق الأفواه، وكل معارض إما مقتول أو مسجون أو مهجرأو مهمش.

ومن كل هذه الأطر الظاهرة يولد الظلم والفساد وهجرة العقول العلمية والفكرية والأدبية والاقتصادية، وربما يكون هناك انفجار؛ لأن الطغيان السياسي كالبالون، كلما نفخ نفسه أكثر كان الانفجار أسرع وأقوى.

وكل هذه الأنواع الجوهر الرئيسي فيها « أنا »، وبالتالي وعي الناس وانهياره، أو دمار الجميع.

يا ترى ما هو عكس الطغيان..؟ « العدل والمساواة والمساءلة سياسيا ».

وهناك أمثلة تاريخية ودروس وعبر، ومنها الطغيان الإنساني الفردي على نفسه وعلى الناس عامة، « هولاكو » قائد متكبر طاغ على نفسه أولا، إدمانه على الانتقام ونشر الخراب والدمار، لم يكتف بهزيمة الأعداء، بل أمر بقوة بإبادة بغداد عام 1258، لم يترك مكتبة إلا دمرها، ورمى كتبها في النهر، حتى أصبح التدمير هدفه وليس وسيلة.

ومن أمثلة الطغيان الاجتماعي فئة أو مجموعات اجتماعية تطغى على فئات أخرى وتحتكر الحقوق، منها « نظام الكاست » في الهند القديمة، مجتمعات مقسمة " طبقات " مغلقة على نفسها «البراهمة والكشاتريا» في أعلى الطبقات، وأدناهم « المنبوذون الداليت »، ممنوع عليهم ما لدى الطبقات العليا «لا تعليم، لا زواج، لا وظيفة...»، طغيان سلب الناس إنسانيتهم سنين.

أما أمثلة الطغيان السياسي فالأمثلة كثيرة، خاصة أنه يعتبر أخطر نوع لامتلاكه المال والجيش والقانون، ومنها « فرعون » في مصر القديمة، وذكره القرآن الكريم كنموذج للطغيان السياسي: « فاستخف قومه فأطاعوه ». احتكر الألوهية: « أنا ربكم الأعلى »، سخر المال والقرار والجيش، وسخر بني إسرائيل عبيدا له يبنون الأهرامات، ولا معارضين له، لكن نهايته كانت " الغرق " . والمثال الثاني معاصرا « بول بوت » في كمبوديا 1975 – 1979، رجع كمبوديا صفرا في الزراعة، ألغى المدن والمدارس، أي شخص متعلم يعتبر عدوا لنظامه ووجوده ويعدم، خلال حكمه أربع سنين مات ربع سكان كمبوديا تقريبا، طغيانه وصل لدرجة الجنون.

وخلاصة الكلام التي تربط هذه الأمثلة: يأتي الطاغي في بدايته بجمل جميلة رنانة تسلب العقول وتميل القلوب: « أنا أريد مصلحتكم، حريتكم، كرامتكم..»، لكن أغلب الطغاة ماتوا، انكسروا، مع سقوط قوي ولعنة إنسانية وتاريخية.

 

 

 

 

Top