ضرورة إنهاء زمن التسويات المؤقتة بين أربيل وبغداد
د. كامران الصالحي
ليست العلاقة بين بغداد وأربيل مجرد خلاف سياسي تقليدي بين حكومة اتحادية وإقليم يتمتع بصلاحيات دستورية، بل إنها تمثل منذ أكثر من عقدين إحدى العقد الأساسية في بنية النظام العراقي نفسه. فكل أزمة بين الطرفين لم تكن تعكس فقط خلافاً حول المال أو النفط أو الصلاحيات، وإنما كانت تكشف خللاً أعمق يتعلق بطبيعة الدولة العراقية بعد 2003: هل هي دولة شراكة حقيقية بين مكوناتها، أم ساحة مفتوحة لتوازنات القوة والتسويات المؤقتة؟
ومع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، تجد الأحزاب الكوردية نفسها مرة أخرى أمام لحظة سياسية حساسة، وربما مختلفة هذه المرة عن المراحل السابقة. فالعراق تغير، والمنطقة تغيرت، وحتى المزاج الشعبي داخل إقليم كوردستان لم يعد كما كان قبل عشر سنوات. ولذلك فإن الطريقة التي ستتعامل بها القوى الكوردية مع بغداد خلال المرحلة المقبلة لن تحدد فقط مستقبل الإقليم، بل قد تؤثر بصورة مباشرة على شكل الدولة العراقية كلها.
طوال السنوات الماضية، نجحت الأحزاب الكوردية في تثبيت موقعها داخل المعادلة السياسية العراقية بوصفها شريكاً أساسياً لا يمكن تجاوزه. وكان للكورد دور محوري في بناء النظام السياسي الجديد بعد سقوط النظام السابق، سواء من خلال كتابة الدستور أو المساهمة في تشكيل الحكومات المتعاقبة أو لعب دور الوسيط في أزمات القوى الشيعية والسنية. لكن مع مرور الوقت، بدأت العلاقة بين بغداد وأربيل تتحول تدريجياً من شراكة سياسية إلى علاقة تفاوض دائم على الملفات الخلافية.
المشكلة أن هذه الملفات بقيت معلقة عمداً في كثير من الأحيان. فملف النفط لم يحسم بصورة نهائية، وملف الموازنة بقي رهينة الصراع السياسي، والمادة 140 ظلت مؤجلة، وكذلك مسألة إدارة المنافذ الحدودية والصلاحيات الأمنية والعسكرية. وفي كل مرة كانت الحكومات تتوصل إلى حلول مؤقتة سرعان ما تنهار مع أول أزمة سياسية أو مالية.
وفي الواقع، فإن جزءاً كبيراً من الأزمة يعود إلى غياب الثقة بين الطرفين. بغداد تنظر أحياناً إلى الإقليم باعتباره يتصرف ككيان مستقل أكثر من كونه جزءاً من الدولة العراقية، فيما ترى أربيل أن الحكومات الاتحادية غالباً ما تتعامل مع كوردستان بعقلية الهيمنة السياسية لا بعقلية الشراكة الدستورية. وبين هذا الشك المتبادل تراكمت الأزمات حتى أصبحت العلاقة محكومة بمنطق "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها.
لكن المشكلة الأكبر أن هذه الصراعات لم تعد مجرد خلافات سياسية بين النخب، بل انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين. الموظف في الإقليم أصبح رهينة الخلافات المالية بين الحكومتين، والمواطن العراقي بات يشعر أن الدولة عاجزة عن إنتاج نظام مستقر قادر على إدارة التنوع القومي والسياسي بصورة طبيعية. والأسوأ أن هذا التوتر الدائم استنزف الاقتصاد وأضعف الثقة بالمؤسسات الاتحادية والإقليمية معاً.
الأحزاب الكوردية تتحمل جزءاً مهماً من مسؤولية هذا الواقع. فبدلاً من استثمار التجربة الفيدرالية لبناء نموذج إداري واقتصادي ناجح داخل الإقليم، دخلت القوى السياسية الرئيسية في صراعات نفوذ طويلة أضعفت التجربة نفسها. الانقسام الحاد بين الحزبين الكبيرين انعكس على مؤسسات الحكم، وعلى طريقة إدارة الملف النفطي، وحتى على شكل التفاوض مع بغداد. وفي كثير من الأحيان لم يكن الموقف الكوردي موحداً، بل كان جزءاً من الخلاف الداخلي بين القوى الكوردية نفسها.
وفي المقابل، فإن الحكومات الاتحادية أيضاً ارتكبت أخطاء استراتيجية كبيرة. فمنذ سنوات طويلة، تُستخدم الموازنة والرواتب كورقة ضغط سياسية، وهو أمر ساهم في تعميق الشعور داخل الإقليم بأن بغداد لا تزال تتعامل بعقلية المركز التقليدي. كما أن بعض القوى السياسية في العاصمة ما زالت تنظر إلى أي مطالب كوردية بوصفها تهديداً لوحدة الدولة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها استحقاقات دستورية قابلة للنقاش والحل.
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن السنوات الأولى بعد 2003. فالعراق لم يعد يعيش الظروف نفسها، كما أن البيئة الإقليمية والدولية تغيرت بصورة كبيرة. بغداد أصبحت أكثر قوة من الناحية المالية والسياسية، فيما يواجه الإقليم أزمات اقتصادية متراكمة وضغوطاً داخلية متزايدة. كذلك فإن المجتمع الدولي لم يعد متحمساً لصراعات داخلية جديدة في العراق، بل أصبح أكثر اهتماماً بالاستقرار الاقتصادي والأمني.
وهنا تحديداً يبرز السؤال الأهم: ما الدور الذي ينبغي أن تلعبه الأحزاب الكوردية في المرحلة المقبلة؟
إن المطلوب اليوم ليس العودة إلى سياسة التصعيد الإعلامي أو التلويح الدائم بالأزمات، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة من الواقعية السياسية. وهذا يبدأ أولاً بإعادة ترتيب البيت الكوردي الداخلي. فمن الصعب على أي طرف أن يفاوض بغداد بفاعلية في ظل استمرار الانقسامات الحادة داخل الإقليم نفسه. توحيد الرؤية الكوردية تجاه الملفات الاستراتيجية أصبح ضرورة، ليس لحماية مصالح الإقليم فقط، بل لضمان استقرار العراق كله.
كذلك فإن على القوى الكوردية أن تدرك أن منطق "الحصول على المكاسب" المؤقتة كالرواتب وحصة الإقليم من الموازنة لم يعد كافياً لإدارة العلاقة مع بغداد. المطلوب اليوم هو الانتقال إلى عقلية الدولة، أي المشاركة في بناء حلول طويلة الأمد لجميع العراقيين، وليس فقط الدفاع عن مصالح الإقليم بوصفه كياناً منفصلاً سياسياً وقانونياً ودستورياً للشعب الكوردي.
أما من جهة بغداد، فإن أي محاولة لفرض الهيمنة أو استخدام الأدوات المالية لإخضاع الإقليم ستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية. الدولة القوية لا تُبنى عبر العقوبات السياسية، بل عبر بناء الثقة والمؤسسات واحترام الدستور. وإذا كانت بغداد تريد فعلاً إنهاء الأزمات المزمنة مع أربيل، فعليها أن تتعامل مع الإقليم بوصفه شريكاً دستورياً لا ملفاً أمنياً أو مالياً.
أما الحلول الواقعية للمعضلات بين بغداد وأربيل، فهي ليست مستحيلة كما يُشاع، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين. أول هذه الحلول هو الوصول إلى اتفاق نفطي دائم وواضح، تُدار من خلاله الثروات الطبيعية وفق آليات شفافة تضمن حقوق الإقليم وحقوق الدولة الاتحادية في آن واحد، بعيداً عن التفسيرات المتناقضة للدستور.
وثانياً، معالجة ملف الرواتب والموازنة عبر اتفاق مالي مستقر لا يخضع للتجاذبات السياسية مع كل أزمة حكومية. فلا يجوز أن يبقى المواطن الكوردي رهينة للصراع بين النخب السياسية.
أما الملف الثالث، فهو المادة 140 والمناطق المتنازع عليها، وهي من أخطر القضايا المؤجلة منذ سنوات. تجاهل هذا الملف لم يؤدِ إلى حله، بل عمّق التوترات القومية والسياسية. المطلوب هنا العودة إلى حلول دستورية تدريجية، بعيداً عن الخطابات المتشنجة أو محاولات فرض الأمر الواقع.
كذلك فإن العلاقة الأمنية بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة تحتاج إلى إعادة تنظيم حقيقية في ظل التحديات الإقليمية والإرهابية المستمرة. المطلوب هو احترام دور وقوات وخصوصية البيشمركة، ضمن رؤية دفاعية وطنية أكثر وضوحاً وتنظيماً.
لكن كل هذه الحلول ستبقى ناقصة إذا لم تتغير الثقافة السياسية نفسها. فالعلاقة بين بغداد وأربيل لا يمكن أن تستقر طالما بقيت قائمة على الشكوك المتبادلة والخوف من الآخر واستثمار الأزمات في الصراعات الداخلية. العراق يحتاج اليوم إلى شراكة حقيقية تقوم على المصالح المشتركة لا على الابتزاز السياسي المتبادل.
وأعتقد أن الأحزاب الكوردية تقف اليوم أمام اختبار تاريخي ربما يكون الأهم منذ 2003. فإما أن تتحول إلى قوة شريكة في إعادة بناء الدولة العراقية على أسس أكثر استقراراً وعدالة، أو تبقى أسيرة المعادلات القديمة نفسها التي أنتجت الأزمات المتكررة وأضعفت الجميع.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الخلاف بين بغداد وأربيل، بل اعتياد الجميع على هذا الخلاف وكأنه قدر دائم. لأن الدول لا تنهار دائماً بالحروب الكبرى، بل قد تنهار أيضاً حين يتحول الفشل المؤقت إلى نظام سياسي دائم.

گولان میدیا