• Sunday, 03 May 2026
logo

هرمز .... العالم يختنق ببطء

هرمز .... العالم يختنق ببطء

صلاح بكر

في قلب الشرق الأوسط، حيث تتلاطم أمواج السياسة العاتية مع رياح الاقتصاد المتقلبة يقف مضيق هرمز كشريان حيوي يضخ الحياة في أوصال الأسواق العالمية،لكن هذا الشريان الاستراتيجي بات اليوم ينزف بشدة، محتجزاً خلف مياهه الدافئه مصير دول واقتصادات بأكملها. مع تصاعد وتيرة الصراع وإغلاق المضيق لم يعد الأمر مجرد أزمة جيوسياسية عابرة تُناقش في أروقة الدبلوماسية، بل تحول إلى زلزال اقتصادي مدمر يضرب أسواق الطاقه والتجارة العالمية منذراً بعواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي وفقاً لتقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية.

لم تكن صدمة إغلاق مضيق هرمز مجرد توقعات متشائمة يطلقها المحللون، بل واقعاً مريراً تجرعته الأسواق العالمية في غضون أيام معدودة. فالمضيق الذي يمر عبره ما بين 20% إلى 25% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم، أصبح فجأة بوابة مغلقة بإحكام أمام نحو 20 مليون برميل يومياً. هذه الكمية الهائلة التي تمثل خُمس الاستهلاك العالمي بأسره، خلفت فراغاً هائلاً يصعب ملؤه، وأدت إلى تراجع إمدادات النفط والغاز العالمية بنسبة 20%.

وكما هو متوقع في لغة الأرقام القاسية التي لا تعرف الرحمة، قفزت أسعار النفط بأكثر من 50%، حيث ارتفع سعر خام برنت من مستويات 71 دولاراً للبرميل ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار، ولامس في أوقات الذروة والهلع عتبة الـ 120 دولاراً. ولم يكن الغاز الطبيعي بمنأى عن هذه العاصفة الهوجاء، فقد سجلت أسعاره ارتفاعاً بلغ 42% عالمياً، مع إعلان دولة قطر، التي تستحوذ وحدها على 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، حالة "القوة القاهرة" Force Majeure مما أدى إلى قفزة جنونية في الأسعار بلغت 50% في الأسواق الآسيوية و60% في القارة الأوروبية.

إن تأثير إغلاق مضيق هرمز لا يقتصر على براميل النفط وأنابيب الغاز فحسب، بل يمتد كالنار في الهشيم ليطال كافة مفاصل الاقتصاد العالمي. فقد سجلت أسعار الطاقة الإجمالية ارتفاعاً تجاوز 24%، مما ألقى بظلاله القاتمة والمخيفة على معدلات التضخم. وفي هذا السياق، حذر صندوق النقد الدولي بلهجة شديدة من أن معدل التضخم العالمي سيتجاوز حاجز 4.4% في عام 2026، مترافقاً مع انخفاض حاد في معدل نمو الاقتصاد العالمي ليصل إلى نحو 3.1% بدلاً من التوقعات السابقة البالغة 3.4%.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، انعكست الأزمة مباشرة على جيوب المواطنين، حيث تجاوز سعر جالون البنزين 4 دولارات في مناطق عديدة، مما زاد من حدة الضغوط التضخمية وتآكل القدرة الشرائية. أما على صعيد التجارة الدولية، فقد تصدعت سلاسل الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق، وتضاعفت أجور الشحن البحري ثلاث مرات في بعض المسارات، خاصة مع تحول السفن والناقلات نحو مسارات بديلة وطويلة ومكلفة مثل طريق رأس الرجاء الصالح. ولم تسلم سلة الغذاء العالمية من هذه التداعيات الكارثية، إذ يمر عبر المضيق نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، مما يهدد بشكل مباشر إنتاجية المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء، لدرجة أن برنامج الأغذية العالمي أعلن بأسف عجزه عن تقديم المساعدة لـ 1.5 مليون شخص جراء هذه الأزمة الطاحنة.

وعلى صعيد الأسواق المالية، عكست الشاشات الحمراء حالة الذعر وانعدام اليقين، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم العالمية بحدة، بينما هرع المستثمرون للاحتماء بأصول الملاذ الآمن مثل الذهب والين الياباني. وقد تباينت حدة هذه الأزمة باختلاف المواقع الجغرافية والقدرات الاقتصادية. ففي آسيا، واجهت دول صناعية كبرى مثل الصين واليابان والهند تحديات غير مسبوقة في أمنها الطاقي، مما دفعها للجوء السريع إلى احتياطياتها الاستراتيجية والبحث المحموم عن بدائل. وفي أوروبا، عاد شبح "الركود التضخمي" Stagflation ليطارد القارة العجوز، فارضاً ضغوطاً إضافية قاسية على قطاعاتها الصناعية المنهكة أصلاً.

وعلى الجانب الآخر من الأزمة، تقف إيران أمام خسائر اقتصادية فادحة وحصار خانق، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن قدرتها على تخزين النفط الخام قد تنفد خلال 22 يوماً فقط، مما يهدد بتوقف عمليات الإنتاج كلياً. ومع بلوغ ناتجها المحلي الإجمالي 341 مليار دولار فقط في العام الماضي، تواجه البلاد تحديات مصيرية هائلة، خاصة وأن تكلفة إعادة الإعمار المحتملة قد تصل إلى 270 مليار دولار، وهو ما يضع اقتصادها على شفا الانهيار.

في خضم هذه العاصفة العاتية، تقف الأسواق العالمية على أطراف أصابعها، تترقب بخوف ورجاء أي انفراجة سياسية أو دبلوماسية تعيد النبض إلى شريان مضيق هرمز. لقد أثبتت هذه الأزمة، بما لا يدع مجالاً للشك، مدى الهشاشة البنيوية التي يعاني منها نظام الطاقة العالمي أمام المخاطر الجيوسياسية المباغتة. وبينما تسارع الدول المستوردة لتنويع مصادر إمداداتها وتعزيز قدراتها على التكيف والصمود، يبقى السؤال الأهم معلقاً في الأفق: هل سيستمر هذا النزيف الاقتصادي الحاد ليدخل العالم في نفق ركود مظلم لا نهاية له، أم أن لغة المصالح العليا ستتغلب في النهاية لتعيد فتح بوابات هرمز أمام شرايين التجارة العالمية؟ إن الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف النقاب عن المشهد الأخير من هذه الدراما الاقتصادية المعقدة، والتي يدفع ثمنها العالم بأسره.

 

 

 

كوردستان24

Top