• Thursday, 16 April 2026
logo

كوردستان ومعادلة الحماية الدولية

كوردستان ومعادلة الحماية الدولية

كامران الصالحي- خاص لـ گولان

ليست المآسي التي مرّت بالكورد طيلة القرون الماضية سوى حلقات متكررة من صراع مرير بين مصادرة حق الكورد في تقرير مصيره وخذلان المجتمع الدولي له والانقسام والتشرذم الداخلي، لذا فإن استشهاد نخبة بطلة من البيشمركة لا يجوز أن يعتبر مجرد حدث عابر أو اعتباره مجرد خسارة عسكرية أو إنسانية بل هو امتداد للصراع لإثبات وجود الكورد أو عدمه.

لذا فإن الحديث عن استشهاد البيشمركة يرتبط بالتساؤل عن سبل حماية المجتمع الكوردي من دفعه إلى أتون الصراع الإقليمي وما هي سبل بناء علاقة استراتيجية مع دول الجوار ومع القوى الكبرى تضمن ثبات تواجده رغم التهديدات بقمعه.

ان قوات البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية بل إنها رمز سياسي وتاريخي وأخلاقي، وتعبير عن إرادة البقاء للكورد في وجه التهديدات الوجودية، لذا فإن استشهادهم يحدث جرحاً يتجاوز أسرهم ويمس الوعي الجمعي، لذا لا يجوز الاكتفاء بتحويل الشهداء إلى رموز نضالية فقط، بل يجب اعتبار استشهادهم مادة للمراجعة السياسية والفكرية واستخلاص الدروس، وما إذا كان هناك ثغرات أمنية أو خلل في التنسيق العسكري أو هناك بنية سياسية منقسمة تجعل القرار الأمني والعسكري مشتتاً بين مراكز متعددة.

ان هذه المراجعة لا تعني الانتقاص من جسامة تضحيات البيشمركة التي تعتبر رصيداً معنوياً لتثبيت الشرعية السياسية، لذا فإن أي قراءة جادة لعملية الاستشهاد يجب ان يتجاوز الحزن الى استنتاج واضح وهو ضرورة توحيد الصف الكوردي وسرعة تشكيل حكومة ائتلافية تتولى ادارة ملفات الأمن والدفاع والعلاقات والعمليات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية.

قد يطرح تساؤل عن كيفية حماية كيان اقليم كوردستان وشعبه من الانجرار الى الحرب أو تعرضه الى اثار ونتائج كارثة الحرب، وهنا فإن الجواب التقليدي يرى ضرورة التسليح والتدريب وامتلاك اجهزة استخباراتية ... الخ، ان هذه الامور رغم ضرورتها فإنها غير حاسمة لان تجنب الحرب يبدأ من عالم السياسة قبل الميدان العسكري.

ان الحرب تبدأ عندما يشعر أي كيان بوجود خطر مهاجمته لذا يبتدأ بهجوم مسبق (حرب استباقية) لرد الهجوم او يرى ان الطرف المستهدف ضعيف ومنقسم على ذاته او يعيش في حالة انعزال او غير قادر على الرد لذا فإن حماية أي كيان من التعرض لمخاطر الحرب يتطلب تواجد العناصر التالية:

أولاً: تحقيق بنية وطنية موحدة ومتحدة، اذ ان المجتمع الكوردي لا يستطيع ان يوفّر الحماية لنفسه اذا ظلت تعاني من الانقسامات الحزبية والصراع على اقتسام مناطق النفوذ بدلاً من العمل من اجل المصلحة القومية والوطنية العليا والحفاظ على المكاسب القومية والدفاع عن كيان الاقليم وتفعيل مؤسساته ومحاربة الفساد المالي واحترام سيادة القانون.

ان ما نعانيه من التشرذم تجاه اتخاذ المواقف المصيرية والانجرار حول كسر العظم واجراء تحالفات جانبية هي امور خطيرة تهدد كيان ومستقبل الاقليم لانها دعوة مفتوحة للتدخل الخارجي اذ ان اعداء كوردستان يتعاملون مع هذه البيئة المنقسمة لإضعافنا واستغلالنا وتوظيفنا لمصلحتها الخاصة، لذا فإن حماية المجتمع الكوردستاني تفرض على الاحزاب الكوردستانية انهاء كل انواع الصراع بجانب الشرعية الدستورية للاقليم وتفعيل مؤسساته وتجاوز المصالح الحزبية الضيقة، فان اقليم كوردستان هو ملك للشعب الكوردستاني وليس ساحة للصراع وبسط النفوذ.

ثانياً: ان الحماية من الحرب يتطلب تحصين الجبهة الداخلية والاجتماعية وليس مجرد توفير قوة عسكرية طائلة، اذ لابد من وجود حكم رشيد وعدالة اجتماعية وتوزيع عادل للموارد ومحاربة الفساد وتأسيس ركائز اقتصادية قوية قادرة على مواصلة الصمود وذلك بخلاف الاقتصاد الهش المرهق الذي يكون قابلاً للتفكك وبالتالي يعاني المجتمع في هذه الحالة من ضعف الثقة بين المجتمع والسلطة وتتحول كل ازمة الى ازمة شاملة تهدد كيان المجتمع وتعرضه للانهيار.

ثالثاً: لابد من توفر عقيدة دفاعية حديثة أي اجهزة استخبارية فعالة، قيادة عسكرية موحدة، توزيع واضح للمسؤوليات والصلاحيات، كفاءة وقدرة في إدارة الأزمات، منظومات إنذار مبكر، أسلحة دفاعية متطورة، تدريب مستمر، توفير حياة معيشية مستقرة لقوات البيشمركة وتكامل بين العمل الميداني والعمل السياسي.

رابعاً: تبني الدبلوماسية الوقائية، إذ أن الدفاع عن قضية عادلة يتطلب امتلاك رؤية سياسية مقنعة تُقدم للرأي العالمي مع ضرورة بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية على أساس مصالح مشتركة، كما يجب أن لا يُطرح القضية الكوردية كملف إنساني أو ظرفي مؤقت حيث أن مجرد تمتع المجتمع الكوردي بنوع من الاستقرار والهدوء يترتب عليها التخلي عن الكورد وتركه للتعرض للخطر.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع أعضاء المجتمع الدولي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها ليست فقط قوة عسكرية عظمى، بل باعتبارها فاعل دولي لها قدرة التأثير على مصير الكورد سواء عبر توفير الحماية أو الشراكة العسكرية أو الضغط السياسي والاقتصادي، فإن التعامل معها يحتاج إلى وعي سياسي بدلاً من اندفاع عاطفي أو عداء انفعالي، لذا يجب تجنب ممارسة ما يلي:

أولاً: عدم اعتبار أمريكا حليفاً ثابتاً لأن الدول الكبرى لا تعقد علاقاتها على أساس العواطف بل وفق مصالحها، إذ قد تدعم طرفاً ما اليوم ومن ثم تعيد ترتيب أولوياتها غداً، لذا يجب بناء العلاقة مع واشنطن على أساس فهم واقعي بأنه لن نكون بديلاً عن القوة الذاتية للمجتمع الكوردي ولن يكون ضامناً ومطبقاً لحمايته إلا في حالة توفر منفعة استراتيجية واضحة.

ثانياً: إن العلاقة مع الولايات المتحدة تصبح أكثر عمقاً واستدامة كلما أثبت الإقليم بفاعلية دوره في توفير الاستقرار وأصبحت مؤسساته أكثر فاعلية والاقتصاد أكثر شفافية، والقرار السياسي أكثر تماسكاً.

إن أمريكا تدعم حلفاءها في حالة تحقق ما يلي:

١-  قدرة الشريك أو الحليف على تحقيق الاستقرار الأمني وعدم تحوله إلى عبء.

٢-  قيام الشريك أو الحليف بالتنسيق السياسي معه وعدم ارتكاب مغامرات عسكرية غير محسوبة.

٣ - محاربة الإرهاب وحفظ التوازن مع دول الجوار وحفظ المصالح الأمريكية.

إن التحدي الحقيقي أمام الكورد هو كيفية بناء نظام سياسي وأمني يجعل حدوث المخاطر أقل احتمالاً، لذا فإن استشهاد البيشمركة يجب أن لا يمر كمجرد ذكرى موجعة بل يجب أن يتحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة سياسية وعسكرية وأمنية.

Top