• Wednesday, 15 April 2026
logo

وفاة يورغن هابرماس: رحيل آخر الفلاسفة العظماء

وفاة يورغن هابرماس: رحيل آخر الفلاسفة العظماء

شيرزاد النجار

(I)

أعلنت دار النشر الألمانية الشهيرة (سور كامب suhrkamp) عن رحيل أحد أهم المفكرين الألمان الفيلسوف وعالم الاجتماع يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) وذلك في

يوم السبت 14/3/2026عن عمر ناهز 96 عاماً في مدينة Starnberg الألمانية، وبالتالي

صَمَت أحد أبرز الأصوات المؤثرة في ألمانيا على مستوى العالم.

وكما يقول الباحث (طارق البهارTariq Albahhar) فإن يوم وفاة هابرماس هو يوم كئيب بتاريخ البشرية و ‏ربما هو أعظم فيلسوف مر عليها بعد ارسطو وربما هو آخر الفلاسفة العظماء.

(2)

الرثاء

قال المستشار الاتحادي الألماني فريدريش ميرز Friedrich Merz (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحيCDU) معلقًا على وفاة هابرماس:

"لقد فقدت ألمانيا وأوروبا أحد أهم مفكري عصرنا. لقد واكب يورغن هابرماس التطورات السياسية والاجتماعية برؤية ثاقبة ومكانة تاريخية مرموقة." وأضاف: " لقد شكّلت دقته التحليلية الخطاب الديمقراطي على نطاق واسع، متجاوزةً حدود بلادنا، وكانت بمثابة منارة في بحر هائج." وأوضح: "لقد أثرت أعماله السوسيولوجيا والفلسفية في أجيال من الباحثين والمفكرين. بالنسبة لمجتمعنا، كان عمق فكر هابرماس وليبراليته لا يُعوَّضان، فقد كانت كلمته معياراً وتحدياً في آنٍ واحد. سنفتقد صوته."

الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير Frank-Walter Steinmeier في رسالة تعزية إلى عائلة هابرماس كتب:

"بفقدان يورغن هابرماس، فقدنا مفكراً عظيماً من مفكري عصر التنوير، استكشف تناقضات الحداثة." و "بعد الحرب العالمية الثانية قدّم إسهاماً كبيراً في الانفتاح الفكري الناجح لبلادنا على الثقافة السياسية الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد مهّد هذا الطريق لديمقراطية راسخة." وأضاف: "لقد دافع هابرماس بحماس عن تجاوز النزعة القومية والوحدة الأوروبية كدرسٍ مستفاد من الحرب والإبادة الجماعية والحكم الشمولي".

تتجلى الأهمية العالمية ليورغن هابرماس في ردود الفعل الدولية على وفاته. فبحسب ما ذكرت صحيفة (زود دويتشه تسايتونغ SZ)، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron بالفيلسوف ووصفه بأنه أوروبي عظيم ترك وراءه إرثاً فكرياً ثرياً، قائلاً: "لقد كرس حياته لمبدأ الوحدة الأوروبية والسعي الدؤوب نحو تلك المبادئ العالمية التي تُنظم تعايشاً حراً ومتساوياً وإنسانياً".

كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش António Guterres عن حزنه العميق لرحيل هابرماس حيث قال " لم يؤثر أي فيلسوف في فكري السياسي بقدر ما أثر يورغن هابرماس". وأضاف غوتيريش أن إسهامات هابرماس "أثرت بشكل كبير في فهمنا لطبيعة وقيمة المجتمعات الديمقراطية". وقد أعجب غوتيريش بشكل خاص بأفكار الفيلسوف حول السِمة المُميزة للديمقراطية الحديثة: الحوار المستمر بين صناع القرار السياسي والمجتمع المدني، لذلك " نحن اليوم بحاجة إلى هذا التفاعل المستمر - هذا الحوار بين السياسة والجمهور - أكثر من أي وقت مضى لفهم التحديات التي نواجهها بشكل أفضل ولإيجاد حلول فعالة".

البروفيسور إنريكو شليف Enrico Schleiff، رئيس جامعة غوته في فرانكفورت Goethe-Universität Frankfurt، حيث درّس هابرماس لسنوات عديدة، نعى رحيل أحد أهم فلاسفة العالم في بيان صحفي جاء فيه: "سيترك عمل يورغن هابرماس الرائد، فضلاً عن حضوره الشخصي في الجامعة وعلاقاته الوثيقة والقائمة على الثقة مع العديد من أعضاء جامعتنا، أثراً يتجاوز بكثير حياة هذا الباحث الاستثنائي والأستاذ الجامعي المتميز".

وفي مقابلة مع صحيفة زود دويتشه تسايتونغ (SZ)، استذكر المؤرخ الألماني البروفيسور نوربرت فراي Norbert Frei حواراته مع هابرماس، والتي تمحورت في معظمها حول آفاق أوروبا ومستقبل الديمقراطية. وأضاف: "لقد اتسمت حواراتنا بحضوره اليقظ، بل الصحفي، وحساسيته البالغة للتغيرات السياسية والاجتماعية، ورغبته في إخضاع تأملاته في تجربته المعاصرة لما اعتبره عين المؤرخ المعاصر الناقدة".

عالمة الاجتماع الألمانية البروفيسورة إيفا إيلوز Eva Illouz أعربت لنفس الصحيفة أعلاه SZ عن صدمتها العميقة لرحيل هابرماس الذي يمثل نهاية حقبة: "لقد كان الضمير الحي لألمانيا وأوروبا. لم يغفل عن جرائم أوروبا، ومع ذلك ساعدنا على الإيمان بأنفسنا".

وأكد وزير الدولة الألماني للثقافة فولفرام فايمر Wolfram Weimer على مكانة هابرماس كفيلسوف مؤثر في جمهورية ألمانيا الاتحادية، قائلاً: "بصفته مفكراً بارعاً، قام يورغن هابرماس بتشكيل الأسس الفكرية لديمقراطيتنا". (ويلي فينكلر Willi Winkler) كتب في نفس الصحيفة أعلاه SZ في رثاء هابرماس: " كان هابرماس كطائر العاصفة Der Sturmvogel، حتى آخر أيامه، ظل ينتقد (النخب السياسية المهمشة)"،

وفي المجلة الألمانية الشهيرة Der Spiegel كتب (توبياس راب Tobias Rapp) في نعي هابرماس: لم يفهم أحد جمهورية ألمانيا الاتحادية مثل هابرماس، الذي كان الأكثر تأثيراً منذ عام 1945، وحتى آخر لحظة، انخرط بحماس في كل نقاش. ذكريات شخص كان دائماً أذكى من أذكى منتقديه.

ورأى المفكر الاقتصادي الألماني (توماس بيكيتي Thomas Piketty) في وفاة هابرماس: "خسارة كبيرة لأوروبا والعالم. سنحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تفاؤله وإرثه لتعزيز رؤية اتحادية اجتماعية ديمقراطية لأوروبا والعلاقات الدولية". ولذلك انتقد مراراً وتكراراً "النخبة السياسية" ودعا إلى مشاركة شعبية أوسع في عملية التكامل الأوروبي. كما دافع عن دستور أوروبي منذ البداية، وشدد على ضرورة وجود فضاء عام أوروبي.

ومن جانبه أوضح (مايكل هيسه Michael Hesse) أن هابرماس يُعتبر أهم شخصية في مدرسة فرانكفورت. لقد أثرت نظريته في التواصل على أجيال من المفكرين حول العالم.

وقال المؤرخ المعاصر (تيموثي غارتون آش Timothy Garton Ash) لصحيفة فرانكفورتر روندشاوFR: "كان يورغن هابرماس أحد أبرز الشخصيات الفكرية في الغرب ما بعد الحرب. لقد أسهم إسهاماً كبيراً في تشكيل فهمنا لقيم وطبيعة الغرب اليوم. ونظراً لأن هذا الغرب مهدد من جميع الجهات، فإن أعماله - على سبيل المثال، حول المجال العام الديمقراطي ونوع أوروبا التي نحتاجها في القرن الحادي والعشرين - أصبحت أكثر ضرورة من أي وقت مضى. سنفتقده بشدة".

وقال الفيلسوف الأمريكي ومنظر الفاشية (جيسون ستانلي Jason Stanley) لصحيفة فرانكفورتر روندشاوFR: "كان يورغن هابرماس أهم فلاسفة ألمانيا ما بعد الحرب، والفيلسوف التاريخي العالمي الوحيد الذي نشط في ألمانيا خلال نصف القرن الماضي. كرس حياته لمبادئ الديمقراطية. يرحل في وقت تتلاشى فيه هذه المبادئ التي دافع عنها بحماس، بينما تعود الفاشية للظهور بقوة في ألمانيا والعالم. من الصعب ألا نعتقد أن الديمقراطية الألمانية كانت، جزئياً، مبنية على جهوده، وأن نهايتها قد تكون وشيكة برحيله".

جريدة (الكارديان The Guardian) البريطانية الشهيرة كتبت حول وفاة هابرماس في 14 اذار 2026 ما يأتي: "يُعدّ هابرماس، أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الفكري لألمانيا ما بعد الحرب، معروفًاً بنظريته حول بناء التوافق السياسي. ويُعتبر على نطاق واسع أحد أكثر الفلاسفة تأثيراً في القرن العشرين، كما ساهم في صياغة الخطاب حول التكامل الأوروبي وتشكيل الاتحاد الأوروبي."

كان هابرماس معروفاً أيضاً بكونه مفكراً جدلياً يتدخل باستمرار في النقاشات السياسية على مدى عقود. وقد صرّح هابرماس ذات مرة قائلاً: "إنّ المشاركة العامة هي المهمة الأهم للفلسفة".

ويقول الكاتب (رومان يوس Roman Yos)، الذي حرّر كتاباً يضمّ حوارات مع هابرماس: "كلما بدا وضع المشاعر الوطنية أو حاضر أوروبا ومستقبلها في مأزق خطير، كان بالإمكان الاعتماد على تصريحاته العلنية".

وفي نعي الجمعية الألمانية لعلم الاجتماع Die Deutsche Gesellschaft für Soziologie (DGS)جاء ما يلي: "بوفاة يورغن هابرماس، تُطوى صفحة من التاريخ، صفحة ساهم فيها بشكل كبير كعالم اجتماع وفيلسوف، بل وكشخصية فكرية عامة. لعلنا ننظر إلى هذا كتحدٍّ."

(3)

حياته

وُلد هابرماس في 18 يونيو 1929 في دوسلدورف؛ في ذلك الوقت، كانت عائلته تقيم في مدينة غومرزباخ Gummersbach. كان والده رئيساً لغرفة الصناعة والتجارة المحلية، وكانت والدته تُعتبر القوة الفكرية الحقيقية في المنزل. ويُقال إن هابرماس ورث حبه للتجريد منها. في وقت مبكر من حياته في غومرزباخ، لفت انتباه معلم يُدعى (أبيل Apel) كطالب موهوب بشكل استثنائي. لاحقاً، في الجامعة، التقى بابن المعلم الذي أصبح مثله مفكراً وفيلسوفاً (كارل أوتو أبيل Karl-Otto Apel 1922-2017)، ونشأت بينهما علاقة طويلة ومثمرة.

ومثل معظم أبناء جيله، فإنه وبعد عام ١٩٤٥، أصبحت تجربة هابرماس مع الاشتراكية الوطنية أساسه السياسي والأخلاقي في بناء فلسفته في التواصل.

في عام ١٩٤٩، بدأ دراسته: أولًا في غوتينغن Göttingen، ثم في زيورخ Zürich، وأخيراً في بون Bonn، حيث حصل على الدكتوراه عام ١٩٥٤ عن أطروحته حول شيلينغ Schelling. كان من بين أبرز أساتذته الأكاديميين في تلك السنوات إريك روثاكر Erich Rothacker وأوسكار بيكر Oskar Becker؛ كما كان لـ ثيودور ليت Theodor Litt ونيكولاي هارتمان وكارل أوتو أبيل Nicolai Hartmann und Karl-Otto Apel تأثير عميق عليه بحيث تمكن فيما بعد من أكمال الأكاديمي Habilitation في حلقة فولفغانغ أبيندروث Wolfgang Abendroths.

في عام ١٩٥٦، انضم هابرماس إلى معهد فرانكفورت للبحوث الاجتماعية، حيث عمل مع ثيودورادورنو Theodor W. Adorno وماكس هوركهايمر Max Horkheimer. كانت علاقته بـ هوركهايمر متوترة، بينما كانت علاقته بـ أدورنو أكثر إنتاجية. بدأ هابرماس الكتابة الصحفية في سن مبكرة، بدايةً لصحيفة محلية في غومرزباخ، ثم لاحقاً لصحف وطنية. واشتهر هجومه المبكر على مارتن هايدغر Martin Heidegger (1889-1976)، الذي اتهمه في صحيفة (فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ FAZ) بالتستر فلسفياً على تورطه مع النازية. وقد كشف هذا الهجوم عن سِمة ستُميز أعماله العامة: استعداده لمحاسبة السلطات الفكرية.

أصبح هابرماس أستاذاً في جامعة هايدلبرغ Heidelberg، ثم في جامعة فرانكفورت Frankfurt، وأخيرًا مديراً لمعهد ماكس بلانك Max-Planck-Institute Starnberg في مدينة شتاربيرغ Starnberg لكنه لم يكن مجرد فيلسوف أكاديمي، بل كان مفكراً عاماً بالمعنى التقليدي للكلمة: مفكراً تدخل في الصراعات السياسية والأخلاقية لجمهورية ألمانيا الاتحادية، بحكمة بالغة، وإن شابته بعض الأخطاء أحياناً، لكنه كان دائماً يؤكد على ضرورة أن تبرر المجتمعات الديمقراطية نفسها قبل العقل.

إن إيمانه بأن تشكيل الرأي العام أمرٌ حيوي لبقاء الديمقراطيات يفسر استمرار هابرماس في كتابة الكتب والمقالات الصحفية حتى سن متقدمة. وفي مقابلة أجراها مع صحيفة الكارديان عام ٢٠١٥، انتقد المستشارة آنذاك أنجيلا ميركل Merkl   لـ "مقامرتها" بسمعة ألمانيا ما بعد الحرب بموقف حكومتها المتشدد خلال أزمة الديون اليونانية. وفي عام 2022، انتقد وزيرة الخارجية الألمانية آنذاك، أنالينا بيربوك Annalena Baerbock، المنتمية لحزب الخضر، بسبب إدانتها "المفرطة في الثقة بالنفس" و"الحادة" للحرب الروسية في أوكرانيا. وقد قوبل تصريحه بأن الحرب الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجمات حماس في 7 أكتوبر "مبررة من حيث المبدأ" بعدم تصديق من قبل العديد من الفلاسفة الذين يتبعون نهج "النظرية النقدية" لمدرسة فرانكفورت، والذين نشروا رسالة إدانة.

(4)

أفكاره وأعماله

ركزت مسيرة هابرماس المهنية، التي امتدت لسبعة عقود، على أسس النظرية الاجتماعية والديمقراطية وسيادة القانون، وكان أول أعماله الرئيسية كتاب "التحول البنيوي للمجال العام" عام ١٩٦٢، والذي سرعان ما وضعه في طليعة الخطاب الفكري. يصف هابرماس في هذا الكتاب نشأة المجال العام البرجوازي وازدهاره وتآكله، وهو المجال الفاصل بين الدولة والحياة الخاصة الذي يُخضع فيه المواطنون السلطة السياسية للتدقيق النقدي من خلال الصحافة والنقاش والجمعيات والصالونات والمقاهي. تكمن الفكرة المحورية للكتاب في تشخيصه لانحسار هذا المجال: إذ تُهدد وسائل الإعلام الجماهيرية وثقافة الاستهلاك وأجهزة الأحزاب والمصالح المنظمة بتحويل فضاء العقل العام إلى ساحة للتلاعب والتأثير.

تبع ذلك في عام ١٩٦٣ كتاب "النظرية والتطبيق"، ثم في عام ١٩٦٨ كتاب "المعرفة والمصالح الإنسانية"، وهو أحد أهم أعمال جمهورية ألمانيا الاتحادية. يُجادل هابرماس في هذا الكتاب ضد فكرة العلم الخالي تماماً من أي افتراضات مسبقة أو قيم. يرى هابرماس أن المعرفة مدفوعة دائماً بالمصالح: المصلحة التقنية في السيطرة، والمصلحة العملية في الفهم، والمصلحة التحررية في التنوير والتحرر. وتندرج كتب مثل "التكنولوجيا والعلم كأيديولوجيا" و"حركة الاحتجاج وإصلاح الجامعات" ضمن هذا السياق. كان هابرماس يكتب بغزارة في ذلك الوقت، وبأسلوب أكاديمي وجدلي في آنٍ واحد، ومتشوق للتدخل.

في عمله الرئيسي (نظرية الفعل التواصلي، في مجلدين، عام ١٩٨١)، سعى هابرماس من خلاله إلى إعادة تأسيس النظرية الاجتماعية النقدية، ليس عبر فلسفة الوعي أو نماذج الصراع الطبقي، بل عبر اللغة والفهم والعقلانية التواصلية، حيث يرى أن معيار النقد يكمن في القدرة التدميرية للخطاب الموجه نحو الفهم نفسه. تدخل المجتمعات في أزمات عندما يستعمر المال والسلطة والإدارة عالم الحياة الذي لا يزال الناس فيه يتفاعلون كمتحدثين ومستمعين وكمستفسرين. لا تستقر الحرية الحديثة إلا إذا كانت مؤسساتها مقيدة بقوة الحجة الأقوى. ولا تكون المعايير الأخلاقية صالحة إلا إذا اتفق عليها جميع المتأثرين بها في حوار عقلاني.

تُظهر أعماله اللاحقة الهامة، مثل "الخطاب الفلسفي للحداثة"، و"الفكر ما بعد الميتافيزيقي"، و"بين الحقائق والمعايير"، وأخيراً عمله الضخم "تاريخ الفلسفة أيضاً"، مدى اتساع نطاق هذا الفكر. في "بين الحقائق والمعايير"، طوّر هابرماس نظريته في القانون والديمقراطية؛ وفي كتاباته اللاحقة، ازداد تشكيكه في العلاقة بين العقل العلماني والتقاليد الدينية. حتى في شيخوخته، ظلّ فيلسوفاً متغيّراً.

وصف عالم الاجتماع (ستيفان مولر- دوهم Stefan Müller-Doohm) جوهر هذا العمل بإيجاز: فبالنسبة لـ هابرماس، لا تنشأ الحقيقة والأخلاق من الهامات شخصية، بل من خلال الخطاب، في التبادل العام للأسباب، وأن القناعات يحب أن تكون قابلة للمراجعة. تبدأ الخطابات بالشك، لا باليقين. ومع ذلك، لا تزال هناك لمحة من المطلقية في فكر هابرماس: ليست مطلقية ميتافيزيقية، بل بقايا من الالتزام المعياري، الذي بدونه يصبح النقد بلا أساس.

تمحور عمل هابرماس، وفقًا لـ مولر-دوهم، حول كيفية تعايش المجتمعات الحديثة بعقلانية، رغم أن الدين والتقاليد والسلطات البديهية قد فقدت إلى حد كبير قوتها الإلزامية. كانت إجابته المبكرة: من خلال الخطاب العام. أما إجابته اللاحقة فكانت: من خلال العقل التواصلي والقانون والعمليات الديمقراطية. بالنسبة لـ هابرماس، لم تكن الديمقراطية مجرد حكم الأغلبية، بل عملية فهم ذاتي منظم. لا تكتسب البرلمانات والمحاكم والدساتير ووسائل الإعلام شرعيتها إلا إذا انبثقت من فضاء يُترجم فيه المواطنون مصالحهم إلى أسباب منطقية.

أكدت نظرية هابرماس لبناء التوافق السياسي على أن تشكيل الرأي العام أمر حيوي لبقاء الديمقراطيات، وفي أحدث أعماله، بعنوان "الأمور التي يجب أن تتحسن Things Needed to Get Better: "، في ديسمبر 2025، يرفض "الاستسلام لليأس"، مؤكداً أنه من الممكن "مواجهة أزمات الحاضر بقوة والتغلب عليها في نهاية المطاف". في هذا الكتاب، يقدم يورغن هابرماس تأملاً شاملاً في حياته وعمله، وفي العوامل التي شكلت تطور فكره. يناقش دوافع عمله، والظروف التي نشأت في ظلها، والتغيرات التي طرأت عليه خلال مسيرته الطويلة والمثمرة. ويتحدث عن الأحداث والنصوص التي لعبت دوراً حاسماً في فكره، ويروي لقاءاتٍ مهمة مع زملائه. وتتبلور صورة شبكة علاقات متشابكة وغنية، تغطي مساحات واسعة من الخريطة الفكرية للقرن العشرين، وتمتد حتى يومنا هذا. وبالنظر إلى تطور فكره، يناقش هابرماس الظروف التاريخية المحددة التي شكلت جيله، ويحدد التجارب الرئيسية مع مرشديه الفكريين، ويستكشف التوجهات التاريخية الحديثة والمعتقدات السياسية، ويتحدث عن أعماله الأكاديمية واستقبالها. وانطلاقاً من الدافع المعياري يرى هابرماس: " أن محاولة جعل العالم أفضل ولو قليلاً، أو حتى مجرد أن أكون جزءاً من الجهد المبذول لدرء التهديدات المستمرة بالتراجع التي نواجهها، هو دافع جدير بالإعجاب تماماً".

وحول الكتاب اعلاه، يكتب بروفيسور بيتر كوردون Peter E. Gordon من جامعة هارفارد Harvard University: ان هابرماس هو " «فيلسوف، ومنظّر اجتماعي، وناقد سياسي لاذع - لا تكفي عبارة واحدة لتلخيص الأثر الفكري الهائل ليورغن هابرماس في العصر الحديث. لقد أحدثت إسهاماته في النظرية النقدية تحولًا جذريًا في تفكيرنا، سواء داخل إطار النظرية النقدية أو خارجه. في هذه المقابلة الشاملة، يتأمل هابرماس في تطوره وإرثه. ان هذا الكتاب لا غنى عنه حقاً.»

لذا، يُعدّ العمل السياسي لـ هابرماس جزءاً لا يتجزأ من أهميته. تدخل في نقاشات ألمانيا الغربية في ستينيات القرن العشرين، حيث برزت مشاركته في الحركة الطلابية ونقده لميلها نحو المبالغة الاستقطابية، معارضاً بشدة أي تبرير لجرائم النازية في نقاش المؤرخين، ومدافعاً عن التكامل الأوروبي، ومحذراً من النزعة القومية الألمانية المفرطة، ومبتكراً مصطلح "الوطنية الدستورية": الولاء ليس للدم أو الأرض أو الأصل، بل للمبادئ العالمية لسيادة القانون الديمقراطي. رفض في البداية إعادة توحيد ألمانيا. وحتى في العقود الأخيرة، ظل كاتباً سياسياً يتحدث بصراحة عن أوروبا والحرب وثقافة التذكر والتحديات الأخلاقية الراهنة.

أشعل مجتمع ما بعد الحرب، الذي رآه استبدادياً لدرجة الشلل، أحلامه المبكرة ببداية ديمقراطية جديدة. قال، مستذكراً أيام دراسته في سيرة ذاتية نشرها سور كامب عام ٢٠١٤: "بالنسبة لي، كانت الديمقراطية هي الكلمة السحرية".

إذن، أصبحت الديمقراطية هي المحور الأساسي في حياة هابرماس، يكتب البروفيسور مارتن برويل Martin Breull من جامعة دورتموند der Technischen Universität Dortmund.وقد تأثر جزئياً بتجاربه خلال الحقبة النازية. لهذا السبب تحديداً، لم يقتصر عمله على الجانب الأكاديمي فحسب، بل امتدّ ليشمل دوره كـ "مفكر عام". فكرته الجوهرية هي: عندما يتوصل الناس إلى فهم مشترك لأمر ما، فإنهم يسترشدون بمنطق سليم، ويسعون جاهدين لتحقيق الإجماع. هذا "العقل التواصلي" هو أساس كل تواصل، وبالتالي كل العمليات الاجتماعية. لا يمكن تحقيق العقلانية والاستقلالية إلا في إطار التعاون، أي في مجتمع ديمقراطي. لذا، يؤكد هابرماس، يضيف لبروفيسور برويل،" فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية، بل هي تبادل عام للأسباب حول كيفية تنظيم تعايشنا."

الجمعية الألمانية لعلم الاجتماع كتبت في تقييم هابرماس: على الرغم من أن هابرماس، الذي اعتبر نفسه في العقود الأخيرة من حياته الأكاديمية الطويلة والحافلة بالإنجازات في المقام الأول فيلسوفاً ومفكراً سياسياً، إلا أنه قدم إسهاماتٍ جليلة ودائمة في علم الاجتماع (إذ كان عضوًا في الجمعية الألمانية لعلم الاجتماع منذ عام ١٩٥٧)، وساهم بشكلٍ كبير في تشكيل هذا العلم. ومن بين هذه الإسهامات أطروحته للتأهيل العلمي حول التحول البنيوي للمجال العام، ونصوصه حول فلسفة العلم في إطار النقاش الوضعي وبعده، ونظريته في الفعل التواصلي بمفهومه الذي غالباً ما يُساء فهمه، ألا وهو التواصل الخالي من الهيمنة، فضلًا عن إسهاماته في مشاكل الشرعية في الرأسمالية المتأخرة، والوضع في أوروبا، ومفهوم "المجتمع ما بعد العلماني".

علاوة على ذلك، بدأ هابرماس مسيرته الصحفية مبكراً، ثم طورها لاحقاً لتشمل مساهمات في الأحداث السياسية المعاصرة. هذه المساهمات جعلته مشاركاً في النقاشات السياسية ومراقباً نقدياً للتطورات في جمهورية ألمانيا الاتحادية لسنوات عديدة. برزت مشاركته ودوره فيما يُعرف بـ "نقاش المؤرخين"، ولاحقاً تأملاته حول قانون اللجوء، وعلم تحسين النسل، والنقاش حول حرية الإرادة الذي أطلقه علماء الأعصاب، وحرب كوسوفو، وحرب أوكرانيا، ودور أوروبا المتغير.

صحيفة زود دويتشه تسايتونغ SZ ) ) نشرت آخر مقال لـ هابرماس في 20 نوفمبر 2025، حول وضع أوروبا في ضوء التطورات في الولايات المتحدة، بعنوانٍ دال: "من الآن فصاعداً، يجب أن نمضي قُدماً بمفردنا". كان لدور هابرماس، كمراقب ومعلق على تطور جمهورية ألمانيا الاتحادية في ظل الاشتراكية الوطنية، أهمية بالغة، إذ عاشها حتماً في شبابه، كونه مولوداً في 18 يونيو 1929. ويُشدد مراراً وتكراراً في تصريحات السياسيين، التي تُنشر حالياً، على دور هابرماس كمراقب ناقد للديمقراطية. ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يتساءل، مع بعضهم، عما إذا كانوا يرغبون في إخضاع تحركاتهم السياسية لتدقيق أعمق في ضوء آراء هابرماس.

وختاماً نقول: ما مدى إقناع الإيمان بالإجماع والعقلانية بمفهوم هابرماس في عصرنا؟ أي من أفكار هابرماس أثرت فينا كمجتمع وكدولة؟

الجواب متروك للمستقبل...!

 

 

Top