تزامن عيد الفطر ونوروز: حين يلتقي نور الهلال بضوء النار في يومٍ لن يُنسى
فاطمة قاسم
في لحظةٍ نادرةٍ تتكرر مرةً كل عقودٍ طويلة، وقف الزمن اليوم ليحتفل بنفسه مرتين، فالتقى هلال العيد بنيران نوروز، والتقت خشيةُ المصلین ببهجة المحتفلين، والتقى نداءُ المآذن بأغاني الجبال… وحمل هذا اليوم في طياته فرحتين.
وهذا التزامن ليس ضرباً من المصادفة العابرة، بل هو ظاهرة فلكية نادرة تنشأُ عن التقاء التقويم القمري الإسلامي المتحرك بالاعتدال الربيعي الشمسي الثابت ولا تتكرر إلا بعد مرور عقودٍ من الزمن. ولحسن الحظ، وقع هذا اليوم النادر في زمننا نحن، وهذا وحده يكفي لأن نُدرك كم نحن محظوظون.
أولاً: عيد الفطر ـ خاتمة رمضان ومكافأةُ الصائمين
عيد الفطر المبارك هو خاتمة شهر رمضان المعظم، ذلك الشهر الذي يمثل في الوجدان الإسلامي مدرسةً روحيةً متكاملة، تُصقل فيها النفوس بالصوم والتلاوة والتأمل. فإذا أهل الأول من شوال، انبثق الفرح من صميم الإيمان، وتفتحت القلوب أبوابها على مصاريعها، وامتدت الأيدي بالمصافحة، وعلت الأصوات بالتكبير والتهليل، وارتفعت الأدعية إلى السماء شكراً وحمداً. وهو يوم لا يحتفل فيه المسلم بانتهاء الصوم وحسب، بل يحتفل بانتصار الإرادة على الشهوة، وانتصار الروح على المادة.
ثانياً: نوروز ـ ذاكرةُ الجبال وقصيدةُ الحياة
أما نوروز فهو أعمق من أن يختزل في مجرد احتفالٍ موسمي. إنه ذاكرة شعبٍ، وروح أمة، وقصيدة لم تنته فصولها منذ آلاف السنين. هو رأس السنة الكوردية، حين تُودع الأرض ثلجها، ويطلق الربيع سراح الأزهار، وتبدأُ الحياة من جديد. وفي هذا اليوم تحديداً، وما إن يؤذن لصلاة العصر ويهدأُ صدى الأذان في الأودية والجبال، حتى ترتفع في كل بقعة كوردية نيران نوروز. كأن الله أراد أن يجمع في يومٍ واحدٍ خشوع المصلین وبهجة المحتفلين، فبعد أن رفع المؤمنون أيديهم بالدعاء في صلاة العصر، رفعت الجبال نيرانها نحو السماء. تلك النيران التي لا تشعل لتحرق، بل تشعل لتعلن:" نحن هنا، و نحتفل بعیدنا."
ليس كل جيلٍ يشهد هذا الاتحاد الاستثنائي. وليس كلُّ إنسانٍ يتاح له أن يرفع یديه بدعاء العيد، ثم يُحدق بعد صلاة العصر في نار نوروز وهي تتراقص في الأفق، كأنها تكمل ما بدأَه الفجر من فرح. في هذا اليوم النادر، تقف أمامنا مرآة الهوية الكاملة: مؤمن يحتفل بعيد فطره، وكوردي يُشعل نار نوروزه.
إلى كل كوردي في الجبال والسهول، في المدن والمخيمات، في الوطن والشتات:
" عيدكم مبارك، ونوروزكم پیرۆز."
