بدايات الأدب الكوردي في كركوك
كولان- كركوك
الحديث عن تأريخ الأدب الكوردي في كركوك باعتباره المركز المدني الأكبر في منطقة كرميان الممتدة ما بين نهري الزاب الصغير شمالا ونهر سيروان وجبل حمرين جنوبا، متشعب مليئ بالشواخص السردية والقامات الأدبية الكبيرة. كرميان هي بالتحديد كرمكان (گەرمەكان: گەرمیان) التاريخية التي وردت في المدونات المسمارية منذ العهدين السومري والبابلي، تحتضن خزينا كبيرا من السرد المدون والشفاهي الكوردي.
يستعرض كتاب سرنجام (الكتاب المقدس لاتباع الديانة اليارسانية) قصائد لشاعر يعرف بـ(بير أحمد كركوكي- 1083) الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وقصائده قريبة جدا في الكوردية القياسية الحالية. الموروث الثقافي المدون لهذه المنطقة يمكن تتبعه في مصادر التاريخ ومؤلفات البلدانيين وسير الملوك، طالما كون البحوث الاركيولوجية مازالت دون الحد الأدنى المنتظر والمطلوب. ويمتزج تاريخ كركوك وتراثها الثقافي والروحي بمنطقة شهرزور الشهيرة في التاريخ الكوردي، ولعل اختيار كركوك مركزا لايالة شهرزور العثمانية بداية القرن السادس عشر، يحمل دلالات لجهة ثقل هذه المدينة باعتبارها المركز المدني الأكبر في جنوبي كوردستان.
كركوك (أو شهرزور) التاريخية تضم جغرافية واسعة كانت حتى نهاية العهد العثماني تبدأ من الضفة الشرقية والجنوبية للزاب الكبير وبالتحادد مع ويلاية وان العثمانية حتى تخوم ولاية بغداد، وهذا يعني انها غطت مساحة واسعة من طيف اللهجات الكوردية التي تحولت اثنتان منهما الى لغة قياسية دوّن بهما سلسلة من الشعراء قصائدهم، وجاءت الكورانية لتكون لغة الأدب طوال اكثر من ستة قرون متتالية، وظهر فيها شعراء كبار بدءا من القرن الثالث عشر حتى بداية القرن العشرين، نذكر منهم (مير اسماعيل زنكنة، ملا جباري، خليل منور، رنجوري، فقي قادر هموند، يوسو ساوك) والقائمة تطول، وتاليا نلمس تقدم اللهجة الكرمانجية الوسطى باعتبارها لغة قياسية الى جانب لهجة كوران وذلك منذ القرن السابع عشر فصاعدا.
هذا الموضوع كان فحوى محاضرة القاها الاستاذ د. زرار توفيق صديق استاذ التاريخ في جامعة دهوك وذلك في مكتبة كاريز بمدينة كركوك. وتطرق د. زرار في محاضرته الى حقيقة كون الكرمانجية الوسطى برزت كلغة قياسية في كركوك حتى قبل تأسيس مدينة السليمانية كعاصمة لدولة بابان عام 1784م. وبحسب المحاضر، فان الشاعر يوسف كاريزي هو أقدم شاعر وصلت اشعاره الينا كتب بالكرمانجية الوسطى كلغة للسرد الشعري حيث توفي قبل تأسيس السليمانية بثلاثة أعوام. ما يعني انه رائد (أو أحد رواد) الكتابة بالكرمانجية الوسطى كلغة للأدب وقبل تأسيس السليمانية بعقود.
وتابع د. زرار القول موضحا، يذكر الشاعر والعالم الشهير رنجوري في احدى قصائده اسماء 55 شاعرا كوردستانيا (التسمية وردت في القصيدة) من بينهم استاذه الشاعر يوسف كاريزي الذي ولد في قرية (كاريزة) فوق سطح جبل خالخالان شمال شرق كركوك ودرّس العلوم الدينية في مدرستها الدينية. وتابع الدكتور زرار مبينا، ان القصيدة الوحيدة التي سلمت من الضياع للشاعر يوسف كاريزي هي تلك التي خمسها تلميذه رنجوري ونشرت في ديوان الأخير الذي طبع للمرّة الأولى في بغداد في ثمانينات القرن الماضي، بعد ان عثر العلامة د. محمد علي قرداغي على مخطوطة الديوان في التكية الطالبانية وسط مدينة كركوك وحققها قبل ان يطبعها.
اذا كان قصب السبق للكتابة بالكرمانجية الوسطى التي تعد الآن اللهجة الكوردية القياسية التي تكتب بالأبجدية الكوردية (العربية المحوّرة) ليوسف كاريزي ومن ثم تلميذه ملا عمر رنجوري، فان ذلك يمنح كركوك موقعا رياديا من حيث تطوير الأدب الكوردي واغناءه، ونرى ان هذه المدينة تشهد ولادة قامات يشهد لها في تاريخ الأدب الكوردي، وأبرزهم شاعر الهجاء الأكبر والأكثر شهرة شيخ رضا طالباني الذي يعد أحد القامات الشامخة في الأدب الكوردي، اضافة الى شعراء كبار آخرين مثل صابري وأثيري وآخرين غيرهم الكثيرون. ويجدر القول ان الكتابة بالكورانية تواصلت مع الكتابة بالكرمانجية الوسطى، رغم الانحسار الواضح للأولى طوال القرن الماضي. وهذه من سمات غنى الأدب الكوردي في كركوك.
