• Friday, 06 February 2026
logo

الديمقراطي الكوردستاني.. ركيزة الثبات في المشهد العراقي

الديمقراطي الكوردستاني.. ركيزة الثبات في المشهد العراقي

سامان بريفكاني 

في مرحلة مفصلية، تتكاثف فيها الأسئلة أكثر مما تتوفر فيها الإجابات، وتتشابك فيها الحاجة إلى الاستقرار مع رغبة المجتمع العراقي في تجاوز إرث الأزمات المتراكمة، جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتكشف عن بداية تحوّل جديد في معادلة القوة داخل البلاد. لم تكن الانتخابات مناسبة عابرة، بل كانت اختباراً حقيقياً لوعي الشارع، وامتحاناً لقدرة القوى السياسية على تجديد علاقتها مع جمهورها.

وفي قلب هذا الاختبار، عاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليؤكد حضوره بوصفه واحداً من أكثر الأحزاب رسوخاً في المشهد السياسي العراقي، بعد أن نجح في الحصول على اثنين وثلاثين مقعداً، مقدماً نموذجاً سياسياً قائماً على الاستقرار لا على المغامرة، وعلى الإدارة لا على الشعارات.

هذا التفويض الشعبي لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل المؤسساتي الذي ميز أداء الحزب في أربيل ودهوك والسليمانية، وامتد ليشمل نينوى وكركوك وديالى. لقد أدرك الناخب الكوردي أن الديمقراطي الكوردستاني هو القوة الأكثر قدرة على حماية المكتسبات، وصون الاستقرار، وإدارة الملفات الحساسة بحكمة بعيداً عن التوترات والانفعالات السياسية. ولذلك، جاء حضوره القوي داخل الإقليم تعبيراً عن ثقة عامة بقدرته على قيادة المرحلة المقبلة.

لكن الصورة لا تكتمل داخل الإقليم وحده، إذ إن بغداد تشهد اليوم توازنات جديدة جعلت من الحزب الديمقراطي الكوردستاني لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة. ومن هنا تبدأ السيناريوهات والتحالفات المحتملة. فالحزب يدرك حجم مسؤولياته، والقوى الأخرى تدرك أن غيابه عن أي تحالف يجعل المعادلة غير كاملة.

أول السيناريوهات وأكثرها احتمالاً هو التفاهم مع الإطار التنسيقي، وهو سيناريو منطقي في ظل التماس المباشر بين الطرفين حول ملفات الموازنة والنفط والرواتب وتثبيت الحقوق الدستورية للإقليم، إضافة إلى رغبة الإطار في تشكيل حكومة مستقرة تحتاج لوجود قوة سياسية موثوقة من حجم الديمقراطي الكوردستاني.

السيناريو الثاني يتجه نحو تحالف كوردي – سني – مستقل، يشكل كتلة ضغط قادرة على التفاوض من موقع قوة، لكنه يبقى بحاجة إلى كتلة شيعية كبرى ليكتمل.

أما السيناريو الثالث، فهو العودة إلى اتفاق كوردي – كوردي يضمن موقفاً موحداً في بغداد، وهو خيار يعتمد على مرونة الاتحاد الوطني الكوردستاني واستعداده لإعادة بناء الثقة مع الحزب الديمقراطي في هذه المرحلة المفصلية.

هذه التحالفات المحتملة ليست خياراً تجميلياً، بل هي جزء من معادلة أكبر ترتبط مباشرة بتأثير المقاعد الكوردية في بغداد. فمجموع مقاعد كوردستان البالغ ستةً وأربعين مقعداً قادر على تشكيل كتلة موحدة تملك تأثيراً نوعياً على تشكيل الحكومة، وعلى اختيار رئيس الجمهورية، وعلى فرض الرؤية الكوردية في الملفات العالقة، من المادة 140 إلى قانون النفط والغاز، مروراً بالموازنة ورواتب الموظفين والبيشمركة. وفي كل هذه الملفات، يتصدر الحزب الديمقراطي الكوردستاني المشهد بوصفه الكتلة الأكبر والأكثر تنظيماً وقدرة على قيادة هذا الاتجاه.

ومن هنا، يصبح من الواضح أن الديمقراطي يدخل بغداد ليس بصفته رقماً انتخابياً فقط، بل باعتباره ممثلاً لمشروع سياسي يسعى إلى تثبيت حصة الإقليم في الموازنة بلا شروط تعجيزية، وتنفيذ المادة 140 بشأن المناطق المتنازع عليها، وتوحيد رواتب البيشمركة ضمن إطار مؤسسي اتحادي واضح، وتنظيم العلاقة النفطية والاقتصادية بين المركز والإقليم عبر قانون عادل وشفاف. كما يستعد للدفاع عن الصلاحيات الدستورية للإقليم، وإعادة ترتيب العلاقة بين المطارات والمعابر والإدارة الاتحادية بما ينسجم مع الدستور وروحه.

هنا يجب أن نشير إلى أن صعود الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن مجرد نتيجة انتخابية، بل إعلاناً لعودة ثقل سياسي يبحث عنه العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالديمقراطي ليس حزباً عابراً، بل ركيزة استقرار في الإقليم، وشريكاً أساسياً في بغداد لأي مشروع حكومي يرغب في النجاح. مقاعده الاثنين والثلاثون ليست رقماً بل رسالة، أن الإقليم اختار من يحميه، وأن بغداد بحاجة إلى من يساعدها على استعادة توازنها، وأن لحظة جديدة تتشكل فيها قواعد العلاقة بين بغداد وأربيل، على أسس أوضح وأكثر احتراماً للدستور.

وهكذا وبين برلمان يتشكل وحكومة تنتظر ومشهد سياسي يعيد ترتيب نفسه ببطء، يقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني اليوم في موقع يؤهله لقيادة مرحلة حقيقية من التوازن الوطني، مسنوداً بثقة شعبه، وبخبرة طويلة في إدارة الأزمات، وبقدرة واضحة على الجمع بين الواقعية السياسية والرؤية الاستراتيجية. وفي بلد عاش سنوات طويلة على هامش الاستقرار، يبدو أن حضور الحزب اليوم ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية لفتح الباب نحو عراقٍ أكثر اتزاناً، وأكثر أملاً.

 

 

 

 

Top