• Thursday, 05 February 2026
logo

الانتخابات العراقية ومفارقة القوة الكوردية بين الفرصة التاريخية واختبار الوحدة

الانتخابات العراقية ومفارقة القوة الكوردية بين الفرصة التاريخية واختبار الوحدة

ماهين شيخاني 

في الحادي عشر من تشرين الثاني، يدخل العراق منعطفاً سياسياً مصيرياً مع إجراء الانتخابات البرلمانية، والتي ليست مجرد استحقاق لاختيار 329 نائباً برلمانياً، بل هي معادلة معقدة لتشكيل مستقبل البلاد.

في قلب هذه المعادلة، يقف المكون الكوردي، الذي يشكل حوالي 18% من السكان، ليس كطرف ثانوي، بل كلاعب استراتيجي يحمل في يديه ورقة رابحة قد تكون حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة، من انتخاب رئيس الجمهورية إلى تسمية رئيس الحكومة.

مشهد كوردي مجزأ وأهمية غير مسبوقة

يدخل الكورد هذه الانتخابات وفي جعبتهم درسان: درس القوة من خلال الوحدة، ودرس الضعف الناتج عن الانقسام. تشير التوقعات إلى أن حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني سيحصل على حوالي 23 مقعداً، بينما سيحصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على حوالي 39 مقعداً من إجمالي المقاعد المخصصة للإقليم. هذا التقسيم التقليدي، رغم استمراره، إلا أنه يواجه ضغوطاً متزايدة من قوى معارضة مثل حزب الجيل الجديد الذي يحقق تقدماً ملحوظاً .

ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للكورد هذه المرة تتجاوز بكثير حصتهم العددية. ففي ظل الانقسام الحاد داخل البيت الشيعي وتشرذم القوى السنية، أصبحت الكتلة الكوردية الموحدة حلماً لكل الكتل السياسية الكبرى التي تتطلع لتشكيل الحكومة. إنها مفارقة القوة: فقدرة الكورد على فرض شروطهم مرهونة بوحدتهم الداخلية التي يشوبها الشقاق.

صناعة الرئاسات والتوازنات الإقليمية

البرلمان الجديد ليس مسؤولاً فقط عن تشريع القوانين، بل عن انتخاب رئيس الجمهورية - المنصب المخصص تقليدياً للكورد - وتسمية رئيس مجلس الوزراء، ما يمنح النواب الكورد نفوذاً غير مسبوق في أعلى هياكل الدولة.

سيكون صوت الكورد حاسماً في اختيار الشخصية الكوردية التي ستشغل منصب رئيس الجمهورية الرفيع، وهو منصب لا يقتصر على التمثيل بل يحمل صلاحيات في النظام السياسي العراقي.

تسمية رئيس الحكومة: في مشهد سياسي متشظٍ، من المستبعد أن تتمكن أي كتلة شيعية من فرض مرشحها لمنصب رئيس الوزراء دون تحالفات عابرة للطوائف. هنا، يصوت الكورد ورقة مساومة ثمينة يمكن أن تُمالِئ كفة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني أو تغيره، وفقاً لضمانات يحصلون عليها بشأن ملفاتهم العالقة .

ما الذي يمكن أن يحققه الكورد؟

قوة الكورد التفاوضية، إذا أحسنوا استخدامها، يمكن أن تترجم إلى مكاسب ملموسة. أبرز هذه الملفات:

1- الموازنة والنفط: لايزال ملف إيرادات النفط وإقرار موازنة الإقليم من أكثر الملفات إلحاحاً. حكومة الإقليم بحاجة ماسة إلى حل دائم يضمن رواتب الموظفين واستقرار المنطقة اقتصادياً .

2- المناطق المتنازع عليها: تظل مناطق مثل كركوك وسنجار وخانقين وغيرها من المناطق ذات الحضور الكوردي نقطة خلاف رئيسة مع بغداد. أي حكومة جديدة ستحتاج إلى تفعيل المادة 140 من الدستور أو إيجاد حلول سياسية عادلة.

3- العلاقة مع بغداد: تتعلق هذا بأسس العلاقة الدستورية بين الإقليم والمركز، وتحديد الصلاحيات، وتمويل القوات البيشمركة.

توصيات للاستفادة من الفرصة

لكي يتحول الوجود الكوردي من كتلة تصويتية إلى شريك حقيقي في صنع القرار، ثمة خطوات لا بد منها:

-تفعيل آلية التنسيق: يجب إعادة إحياء آلية التنسيق بين الحزبين الكورديين الرئيسيين - وإن بشكل تكتيكي - لتشكيل كتلة كوردية موحدة في البرلمان تتفق على الحد الأدنى من المطالب قبل الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة.

-التحالف الاستراتيجي المرن: تجنب الارتباط بتحالف طائفي واحد، والاحتفاظ بخيارات مفتوحة للتفاوض مع جميع الأطراف لتعظيم المكاسب.

-برنامج وطني واضح: تقديم برنامج كوردي موحد يحدد الأولويات (النفط، الموازنة، المناطق المتنازع عليها) ويصبح وثيقة تفاوض غير قابلة للتفريط.

خلاصة

انتخابات 11 تشرين الثاني ليست استحقاقاً عادياً للكورد؛ بل إنها اختبار لإرادتهم وقدرتهم على تحويل وزنهم الديموغرافي إلى قوة سياسية فاعلة. لقد منحهم النظام السياسي العراقي، رغم كل عيوبه، دور الحَكَم في اللحظات الحرجة. السؤال الآن: هل سيكون الكورد جاهزين لتحمل هذه المسؤولية التاريخية، أم أنهم سيعيدون تكرار سيناريوهات الماضي التي بددت فرصاً ثمينة كان من الممكن أن تضع كوردستان في موقع أقوى وأكثر استقراراً؟. الإجابة لن توجد في صناديق الاقتراع وحسب، بل في قاعات الاجتماعات التي تليها.

 

 

 

روداو

Top