• Sunday, 08 February 2026
logo

المسؤولية في العراق الجديد.. من تكليف وطني إلى امتياز اجتماعي

المسؤولية في العراق الجديد.. من تكليف وطني إلى امتياز اجتماعي

عبيد رشيد

في عراق ما بعد التغيير، تحوّلت المسؤولية من كونها تكليفًا وطنيًا إلى امتيازٍ اجتماعي، ومن كونها أمانةً ثقيلة إلى مظاهر ترفٍ فاضحة. لم تعد المناصب العليا تُمنح بناءً على الكفاءة أو الخبرة، بل باتت تُوزّع وفق الولاءات الحزبية، والمصالح الضيقة، والقدرة على شراء شهادةٍ مزيفة من جامعةٍ لا وجود لها إلا في أرشيف الفساد.

 المسؤول في عراق مابعد 2003 لا يُعرف بما يقدمه من خدمات، بل بما يملكه من رتل سياراتٍ مصفحة، وما يسكنه من قصورٍ فاخرة، وما يرتديه من ملابسٍ أنيقة تحمل توقيع أشهر الماركات العالمية. أما المواطن، فهو الغائب الأكبر عن مشهد المسؤولية، يُستحضر فقط في خطابات المناسبات، ويُنسى في واقع الخدمات.

 في ظل هذا البذخ، يقف جيشٌ من العاطلين عن العمل من خريجي المعاهد والجامعات العراقية، في العاصمة بغداد ومدن الجنوب ، يحملون شهاداتهم الحقيقية كأثقالٍ لا تُصرف في سوق العمل، بينما يتسلّق "أبو شهادة علوج" سلّم المناصب بشهادةٍ وهمية صادرة من جامعةٍ في لبنان أو مصر أو طهران أو كرمنشاه، لا تُقدّم علمًا ولا تُخرّج كفاءات، بل تُصدر أوراقًا مزخرفة مقابل المال، تُمنح للمسؤولين كي يُقال عنهم "الدكتور فلان الفلاني".

 هكذا يُعيَّن الانتهازي في العراق في منصبٍ رفيع، لا لأنه أهلٌ له، بل لأنه يجيد فنّ التملّق، ويعرف من أين تُؤكل الكتف، ويُتقن لعبة التزوير والتزييف. أما الكفاءات الحقيقية، فتبقى على الهامش، تُقصى من المشهد، وتُحرم من الفرصة، وتُدفن تحت ركام الإحباط.

 إن هذه الظاهرة لا تعبّر عن أزمة أفراد فحسب، بل عن خللٍ بنيوي في فهم معنى المسؤولية، وفي آليات التعيين، وفي ثقافة التزوير التي باتت تُشرعن الرداءة وتُقصي الكفاءة. فالمسؤول الحقيقي لا يُقاس بعدد السيارات التي ترافقه، بل بعدد القرارات التي تُنصف الناس. ولا يُعرّف بماركة بدلته، بل بمصداقية مواقفه.

 في العراق ، المطلوب اليوم ليس فقط فضح هذه المظاهر، بل إعادة تعريف المسؤولية بوصفها خدمةً لا سلطة، وتكليفًا لا تشريف، ومحاسبةً لا حصانة. فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من "الدكاترة الوهميين"، بل إلى رجال دولة حقيقيين، يحملون شهاداتهم كما يحملون ضمائرهم: نظيفة، صادقة، وموجهة نحو الناس.

 

 

 

 

Top