مستقبل شركات الذكاء الاصطناعي.. نمو مستدام أم فقاعة؟
عمر احمد
في العامين الماضيين، شهدت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً لافتاً. وفي هذا السياق، تتصدر شركة إنفيديا، المتخصصة في إنتاج الرقائق الإلكترونية، هذه الشركات. فقد ارتفعت قيمة أسهم إنفيديا بأكثر من 10 أضعاف في أقل من عامين ونصف، لتصل إلى أكثر من أربعة تريليونات دولار. كان هذا الارتفاع في قيمة إنفيديا مذهلاً لدرجة أنه أدى إلى ارتفاع إجمالي حجم سوق شركات التكنولوجيا، المدرجة بشكل أساسي في بورصة ناسداك. والأكثر من ذلك، أنه أدى حتى إلى ارتفاع قيمة أكبر 500 شركة أمريكية، والتي يتم قياس قيمتها من خلال مؤشر S&P 500.
ارتفعت قيمة هذه الشركات بنسبة 69% منذ عام 2022، ويعود جزء كبير من ذلك إلى تألق شركة إنفيديا. لوضع الأمر في منظوره الصحيح، في الشهر الأول من عام 2023، كان سعر السهم الواحد لشركة إنفيديا أقل من 15 دولاراً، بينما يبلغ سعره الآن 177 دولاراً، أي أنه ارتفع بأكثر من 11 ضعفاً. تبلغ القيمة السوقية للشركة الآن 4.28 تريليون دولار، مما يجعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم.
في حين أن الأرقام مثيرة للإعجاب، فإن سرعة ارتفاع قيمة إنفيديا وشركات التكنولوجيا الأخرى قد أثارت مخاوف كبيرة بين المحللين والمستثمرين، من أن يكون هذا النمو المذهل مجرد فقاعة قد تنفجر فجأة وتنهار هذه الشركات.
نتائج إنفيديا للأشهر الثلاثة الماضية (من مايو إلى يوليو)، تسلط الضوء على هذا النمو السريع:
الإيرادات: 46.7 مليار دولار، بزيادة 56% مقارنة بالعام الماضي.
صافي الربح: 26.4 مليار دولار، بزيادة 59% مقارنة بالعام الماضي.
إيرادات مراكز البيانات: 41.1 مليار دولار، بزيادة 56% مقارنة بالعام الماضي.
التغير في قيمة السهم (الأسبوع الماضي): -3%
الانخفاض بنسبة 3% في قيمة الأسهم بعد إعلان الأرباح، على الرغم من النتائج القياسية، يشير إلى قلق عميق. فالمستثمرون والمتداولون في البورصة لا يزالون يتوقعون نتائج أفضل من إنفيديا، ولم يرضوا بكل هذا الارتفاع في الإيرادات والأرباح. كانت التوقعات أعلى بكثير من أداء الشركة، وهو ما انعكس بوضوح في انخفاض قيمة سهم الشركة يوم الخميس الماضي. هذا الأمر أثار قلق بعض المحللين والباحثين في أسواق البورصة. يشكك بعضهم في أن السعر الحالي لأسهم إنفيديا يعكس القيمة الحقيقية للشركة. يقولون إن مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واعد جداً، لكن هذه القيمة مبالغ فيها بشكل كبير.
آخرون، مثل دان آيفز، من شركة الاستشارات "ويدبوش سيكيوريتيز"، يعتقدون أن قيمة أسهم إنفيديا طبيعية، بل ومن المحتمل أن ترتفع أكثر.
يقول دان آيفز، "الذكاء الاصطناعي هو أكبر تحول تكنولوجي في الـ 40 إلى 50 سنة الماضية. تُقدر إيرادات إنفيديا لهذا العام بـ 204 مليار دولار، أي حوالي 4.6 أضعاف إيرادات عام 2023 البالغة 44 مليار دولار، وهذا يعكس النمو السريع للذكاء الاصطناعي عبر جميع القطاعات. قد تصل القيمة السوقية لإنفيديا إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2026، مع انفتاح السوق الصينية كمحفز رئيسي".
هناك العديد من الأسباب التي تدعم تصريحات وتقديرات دان آيفز:
توسيع مراكز البيانات: يُقدر حجم الاستثمار العالمي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بما يتراوح بين 3 و 4 تريليونات دولار في السنوات القليلة المقبلة. تم تصميم رقائق إنفيديا المتقدمة (Quantum X800) لدعم نماذج بتريليونات من المعلمات، والتي تعد حجر الزاوية في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
نمو صناعة الروبوتات والأنظمة الآلية: من المتوقع أن ينمو سوق الأنظمة الروبوتية والآلية بنسبة 22% سنوياً حتى عام 2030.
انفتاح السوق الصينية: من المتوقع أن تزيد مبيعات إنفيديا في الصين بما يتراوح بين 2 و 5 مليار دولار، خاصة إذا تم رفع الحواجز المفروضة على تصدير الرقائق إلى الصين نتيجة لاتفاق طويل الأمد بين ترامب والصين.
في حين أن كل هذه الأسباب حقيقية، إلا أن سرعة ارتفاع قيمة إنفيديا لا تزال صادمة. فقد ارتفعت القيمة السوقية للشركة بأكثر من 11 ضعفاً خلال الـ 2.5 سنة الماضية، وهو أسرع من أي نمو تكنولوجي مماثل في التاريخ.
المخاوف الرئيسية:
التوقعات العالية للمستثمرين: يضع المستثمرون توقعات عالية للغاية على إنفيديا، وإذا حدث أي شيء، على سبيل المثال، إذا لم تنمُ إيراداتها أو أرباحها بنفس السرعة في المستقبل، فقد يؤدي ذلك إلى خيبة أمل المستثمرين وانهيار قيمة أسهم الشركة. يوجد معيار لهذا في أسواق البورصة يسمى نسبة السعر إلى الأرباح (P/E)، والتي تبلغ 70 لشركة إنفيديا. هذا يعني أن المستثمرين يدفعون 70 دولاراً مقابل كل دولار واحد من الأرباح في سهم إنفيديا، وهو رأس مال كبير جداً مقارنة بأرباح الشركة الحالية. وهذا بحد ذاته يعني أن توقعات المستثمرين عالية جداً ويعتقدون أن أرباح الشركة ستزيد في المستقبل لدرجة تبرر دفع هذا المبلغ الكبير لشراء أسهمها. للمقارنة، تبلغ نسبة (P/E) لشركات التكنولوجيا الأخرى حوالي 18، مما يعني أن المستثمر ينفق 18 دولاراً لشراء سهم في شركات التكنولوجيا الأخرى ليحقق دولاراً واحداً من الأرباح.
المخاطر الجيوسياسية: الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين وتقييد صادرات منتجات إنفيديا، بحسب جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي للشركة، كلفت الشركة 8 مليارات دولار في الربع الأول من هذا العام وحده. وهذا يوضح مدى حساسية الوضع المالي لشركة تكنولوجيا مثل إنفيديا تجاه الأحداث الجيوسياسية.
اشتداد المنافسة: أصبحت المنافسة بين الشركات المصنعة للرقائق شرسة. تتوسع المنافسة بين شركات مثل (AMD) و (Intel) وغيرها يوماً بعد يوم. واشتداد المنافسة يعني تقلص هوامش الربح وتضاؤل حصص الشركات في السوق.
هذه هي المخاطر التي قد تواجه الأسواق فجأة. عندما تكون توقعات المستثمرين والمتداولين من الشركات غير منطقية، أو عندما يحدث خطأ بسيط أو حدث جيوسياسي، فمن المحتمل أن تواجه السوق صدمة انخفاض أسعار الأسهم.
لذلك، على الرغم من أن ثورة الذكاء الاصطناعي حقيقية، وأن شركات مثل إنفيديا تقع في قلب تطوير البنية التحتية وتنفيذ هذه الثورة، إلا أنه لا ينبغي إغفال السرعة غير العادية لزيادة قيمة هذه الشركات، إلى جانب الشكوك الجيوسياسية واشتداد المنافسة. خاصة إذا كان الوضع الاقتصادي في أميركا والعالم يتجه نحو مرحلة من التباطؤ بسبب الحرب التجارية التي أشعلها دونالد ترامب ضد شركائه التجاريين، وهو ما يحذر منه العديد من الاقتصاديين.
روداو
