• Saturday, 31 January 2026
logo

عودة لتتبّع المسار السياسي الوطني

عودة لتتبّع المسار السياسي الوطني

 فاضل ميراني 

 

في البدء، وتجنبا لأي تأويل، فالحديث هنا وبما سيرد من حروف وكلمات وجمل، ليس تعريضا بفرد أو طرف، بل هو حرص مواطن وحقه بعد أن قدم ويقدم واجباته لبلاد اختار برلمانه أن يبقى فيها بعد أن ضحّى وقبله ومعه مئات الألوف من أجل عراق أفضل لكل العراقيين لا لفئة دون فئات.

هل انتهى كل شيء مع التاسع من نيسان 2003؟

طرق التفكير وآليات التنفيذ وقلب صفحات المر التي دفعتنا ودفعت غيرنا لنعارض وندفع ثمن المعارضة؟

هذا أبسط سؤال بشُعبٍ ويمكن استخراج تشعبات أخرى ودفعها للشارع المستقل بل وحتى للمنتمين سياسيا ليجيبوا عليه بتجرد ووعي وإدراك.

لا اشتراط مسبقا في عالمي السياسة والسعي للحكم أن تفلح المعارضة في إقامة الأفضل، ذاتيا أو موضوعيا أو بكليهما، والا لاختفى مسمى المعارضة أو لعمل كل نظام على إصلاح ذاته.

لسنا حالة فريدة من حيث كوننا كنا معارضين ولسنا حالة فريدة من كون أن صار لنا قدر الوصول للحكم، كما أننا لسنا حالة معصومة من خطأ أو خطيئة، ومع كل هذه المسلمات فذلك ليس مانعا أمام أي فرد أو طرف أن يراجع حساباته على قرارات سابقة ويستعد بحسابات لقرارات قادمة، مدخلا فيها العامل الأهم في المعادلة وهو الشعب، الأجيـــال الحالية والمقبلة.

التشبث بالمركزية

مع أن الجو السياسي يكاد يبدو متباين الألوان في العراق، إلا أن ثقل تركيز كتل اللون تزداد كلما ازداد التقرب من بغداد باعتبارها العاصمة الاتحادية، هذا الأمر يتركز ليس بسبب التأطير الدستوري، بل لتشبث بغداد بالمركزية، وهذا الأمر فكري متأصل، حتى مع البيان الدستوري لعنوان العراق الجديد الذي ينص على الفيدرالية وما تعنيه من معنى في شكل ومضامين السلطات.

قد يبدو الأمر وللتوضيح أشبه بالحاصل على شهادة في تخصص لم يجتهد في التفقه فيه.

خلال العقدين الماضيين تكرست واتسعت ظاهرة الحزبية والتحزب، وهو أمر مفهوم بمنطق طرق التفكير التي أخذت عدوى سريعة من أطراف ما أن اقتربت من السلطة حتى تورطت بقصد أو بغير قصد بمشروع الانتشار داخل المؤسسة الحاكمة مجاهرة بأن الانتماء شرط القبول، هنا بدأت أولى علامات الوهن في مشروع الهوية الواحدة، سيما وقد أضيف لها دافع تاريخي يتعلق بالمظلومية، وأضيف لها معيار الثقة قبل الخبرة، وحتى الثقة صارت ثقة من طراز جديد بعيد عن الثقة التي كانت معيارا سابقا قوامه النجاح بتجارب العمل الوطني.

هنا لا يمكن نسيان أمر مهم على أنه لا يجوز أن يتحول لعذر مستدام ألا وهو المفاجأة التي انتابت كثيرا من الأفراد والحركات التي كانت إلى قبل الحرب في 2003 تشك ليس بزوال النظام السابق بل تشك ولا تتصور أنها قد تتمكن من الحكم بسبب أن التحول وإن أخذ قبل ذلك مئات ألوف الضحايا إلا أنه ما كان ليصبح حقيقة لولا التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية.

للتاريخ فإن أغلب الأداء السياسي والتنفيذي لم يكن بمستوى استيعابيٍ مسايرٍ للحدث، إذ نشطت هوية انتقام سريع تجاوز صناعَ القرار السياسي في النظام السابق إلى تحميل طائفة بذاتها أخطاء تاريخ حكم يعود إلى بداية الدولة الإسلامية، وهذا أمر رفضته مرجعية النجف جهارا وبكرا ولكن دون فائدة ترجى.

أكتب هذا الكلام لأربط بين ضفتي حديث للوصول إلى أمر لا أريده أن يبدو دفاعا عن شخص بل توصيف لثقل مناصب يوجه لها اللوم ولا تشفع لها حقائق ليست مختفية، وهي منصب رئيس مجلس الوزراء، باعتبار أن الدستور قد ركز بيديه صلاحيات كبرى خطرة، لكن الواقع يشير إلى قيود حزبية سياسية قومية طائفية تؤثر في منصبه وعلى فكره وقلمه، وأعيد التذكير أنني أتحدث عن المقاعد لا عن أشخاص بذواتهم.

مقبول ووضع العراق على ما قدمنا أن ترشح المكونات ممثلين لها في المناصب الرئيسية، نحن نرشح رئيس الجمهورية الذي يكلف مرشح الشيعة ليكون رئيس حكومة، وقبلنا يرشح السنة رئيس المجلس النيابي، ويصار لاتفاقات بالتصويت له رئيسا للمجلس ثم يصار للتصويت على الرئيسين الجمهورية والحكومة.

ومع أنني قلت سابقا أن الظروف تكررت وافهمتنا أن الإصرار من البقية على مرشح رئاسة الجمهورية غايته فقط أن يكلف رئيس الحكومة، فإن هذا الأمر صار عرفا يسهم في تجذير ظاهرة الاستحواذ على القرار، بحيث يجري التحكم بالأوضاع الداخلية والخارجية بحسب رغبات الكتلة المسيطرة على القرار، بل والتأثير بالسلب على مرجعيتي الدستور والقانون.

أريد القول إن العراق لم يكن ولن يكون سهلا قياده، لا داخليا ولا إقليميا ولا خارجيا، حتى في حالته الآن، حيث يواجه تحديات جديدة في مختلف الملفات والمجالات، أمنيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وبنيويا، وقد كشفت حرب الأيام الـ 12 بين الشرق والغرب والتي كانت سماء بلادنا فيها مقيدة الأجواء حجم الشد والتأثير واستسهال كياننا، لحقتها قضايا نقص المياه والطاقة ومشكلة الحدود الجنوبية المائية.

طبعا ليست هذه المشاكل وحدها هي التي ظهرت إلى الوجود، إذ سابقتها ولا زالت مشاكل في بنية النظام تتعلق بالعلاقات بين بغداد وأربيل، بغداد التي يصدر قرارها السياسي إلينا فنجيب عليها بقرار حكومي دستوري، وهذه تفصيلة سيجري الكلام عنها (مثلما سبق تفصيل بعضها) بمقالات أخرى أن شاء الله.

مشهد الأداء

نحن بصفتنا الحزبية والسياسية نراقب مشهد الأداء الذي لم يزل للأسف مركزيا، فنجد أن القرار لا يصدر في أغلب الأحايين من روح الدستور بل من تصورات تصوغها حركات سياسية راديكالية، تدفع بمرادها لشاغل المنصب وتمارس وصاية أو تتعمد إظهار تابعيته لها، ما يجعله محرجا ومقيدا وفي أغلب الحالات باحثا عن تكتل يحميه من منافسة أو إشعار له باحتمالية عدم التجديد له.

ليس هذا سرا ولا يحتمل من قارئه عتبا، ذلك أننا إن لم نسمِ الأشياء والأفعال بمسماها الآن فلا فائدة من سردها مستقبلا على شكل مذكرات.

لا أريد المقارنة بين أدائنا الحزبي النيابي السياسي في كوردستان وبين نظيره في بغداد، حتى لا يقال لأنني امتدح هنا وأذم هناك، لكن التفاهمات التي مظلتها الدستور والحدود في التأثير والتوقف عند الفواصل يجعل المرشح الحزبي للمنصب التنفيذي حرا واضح المعالم والصلاحيات، فإن تم تقييده فبقيد شعبي لاسترداد الحقوق، ومنها ومع الأسف وأبسطها حقا هو ملف رواتب موظفي إقليم كوردستان الذين ما كانوا يتوقعون أن يزال نظام سابق يأخذ على الشك، ليجيء نظام يعاقب البريء على خلاف تنظيمي.

عموما، لموضوع الرواتب حديث آخر.

لكنني أعود للقول أن إبقاء شاغل منصب الرئيس الحكومي التنفيذي تحت طائلة مزاج لا يخلق هوية مواطن حرة مقبول الاختلاف القومي والديني والفـــــكري والمذهبي، والإبقاء على نار متقدة تقدح في أوراق التاريخ وتـــــــــحميل الحاضرين ما يعــــــتقد أنها ذنوب السلف، هذا الأداء لا يخلق إلا مشاكل سيصعب حلها وتتـــــــراكم عليها فوائد وتخلق انتهازية داخل البيت العراقي بغرفه التي صارت تزداد أعدادها حيث بات متعارفا أن ما يمكن حيازته بعكاز إنشاء حركة أو حزب هو الأمر الأسرع والأنجح والأنجع للفوز بمناصب والإثراء والحصانة من المسائلة.

يجب أن نتذكر من نحن وما هو واجبنا وأن الدستور حاضر، وقبل ذلك أننا لسنا ببعيدين عن أي إجراء خارجي أو حراك داخلي إذا ما استمر الأداء على أساس لا يأخذ بالحسبان معاني المناصب والمكانة داخل الأسرتين الإقليمية والدولية.

□ مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

 

 

 

 

Top