زيارة لم تكن عابرة… حين تحوّلت واشنطن إلى بوابة الطاقة والاستقرار لكوردستان
ابراهيم احمد سمو
هذه الأيام، أقضي وقتي بين الهاتف اليتيم وأفكاري. لا أحد من حولي، لا موظفين ولا زملاء، وحده هذا الهاتف وبصمات أصابعي ترسم الكلمات على الشاشة، حتى باتت أناملي تهتدي إلى الحروف دون أن أنظر إليها. أكتب وأعيد، أراقب الأخبار، وأتابع الأحداث في صمت… ولكن ليس ببرود. فثمّة ما يستحق التأمل، بل التوثيق، خاصة حين لا تكون الأحداث مجرد زيارات بروتوكولية عابرة، بل مفاتيح لمستقبل وطن.
من بين كل ما جرى في الأيام الأخيرة، توقفتُ طويلًا عند زيارة رئيس وزراء إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، إلى الولايات المتحدة الأمريكية. في البداية، كغيري من المتابعين، ظننتها زيارة اعتيادية – مراسم، صور، وسلامات في مؤتمر أو ندوة متخصصة في شؤون الطاقة، ثم عودة إلى الديار. لكن شيئًا ما تغيّر مع كل يوم من أيام الزيارة، ومع كل تسريب صحفي أو تصريح رسمي.
فمع قراءة برنامج الزيارة كما ظهر على الشاشات، وباللغات المختلفة، اتضح أن ما يجري ليس عاديًا أبدًا. بل زيارة ثقيلة بالمعاني، محمّلة بأجندات استراتيجية، تتجاوز الدبلوماسية وتلامس جوهر الاقتصاد والسيادة، وتطرح سؤالًا جادًا: هل نحن أمام ولادة مرحلة جديدة في علاقة كوردستان مع الولايات المتحدة؟ وهل وقّعنا للتو على أول ملامح استقلال اقتصادي لا يُعلن، لكنه يُطبَّق بهدوء؟
ما بعد اللقاءات… ما بعد الصورة
لافت أن برنامج الزيارة كان غنيًا باللقاءات، ليس فقط مع المسؤولين السياسيين، بل أيضًا مع كبار رجال الأعمال، ومدراء الشركات العملاقة في مجال الطاقة. نحن نتحدث عن شركتين عالميتين دخلتا ميدان الاستثمار النفطي في كوردستان من جديد، وهما ليستا من النوع الذي يدخل مغامرات بلا ضمانات. بل من النوع الذي لا يفتح ملفًا إلا إذا كانت هناك بيئة آمنة، وضمانات قانونية، وآفاق ربحية، وأهم من كل ذلك: شريك حكومي صادق وجدّي.
هنا، كان المشهد أكثر من مجرد لقاءات دبلوماسية. كنا أمام عملية بناء جسور اقتصادية على أسس طويلة الأمد. وأي متابع يدرك أن توقيع عقدين مع شركتين نفطيتين عالميتين لا يحدث هكذا فجأة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتحضير سياسي وإداري، وتفاهمات سابقة صاغها العقل الكوردستاني بهدوء وإصرار.
بُعد سياسي واقتصادي
البعض ربما رأى في الخطوة استفزازًا لبغداد، خاصة بعد تصريح وزير الطاقة في حكومة الإقليم بالوكالة، بأن الحكومة العراقية لم تكن على علم مسبق بالاتفاقات. هذا التصريح أثار موجة من التعليقات، بين من رأى فيه شرخًا محتملًا، ومن اعتبره نقطة تُحسب للإقليم، على أساس أن كوردستان لم تعد تنتظر من بغداد أن تبادر، بل تبادر بنفسها لحماية مصالحها.
لكن، ومن زاوية أخرى، يبدو أن هذه العقود ليست ضد أحد، بل لصالح الجميع. فحين تتحرك حكومة كوردستان بهذا الوضوح، وتفتح أبوابًا للاستثمار، فإنها لا تسعى إلى التصعيد، بل إلى تثبيت شراكة متوازنة تحفظ حقوقها. بل يمكن القول إن ما حدث قد يُرغِم بغداد على مراجعة سياساتها في إدارة ملف النفط، ويُحفزها على التفاعل الإيجابي بدل التردد.
صدى شعبي… وارتياح عام
لا يمكن تجاهل الصدى الشعبي الذي تركته الزيارة. فمن خلال متابعتي لوسائل الإعلام الكوردية، ومواقع التواصل الاجتماعي، يمكن ملاحظة حالة من الارتياح، بل الفخر، بما جرى. ليس لأننا نحب التطبيل، بل لأن الزيارة حملت رسالة طمأنة: هناك من يشتغل من أجل المستقبل، لا يكتفي بالانتظار ولا يرضى بالجمود.
وجود الشركات الكبرى، وإعادة ثقتها بالسوق الكوردستانية، يعني الكثير. فهو لا يعبّر فقط عن جدية الحكومة في إدارة الملفات المعقدة، بل أيضًا عن وجود بيئة يمكنها أن تكون مستقرة وجاذبة، في منطقة تعج بالفوضى والنزاعات. وهذا أمر مهم لشعب أنهكه الترقب، ويحتاج إلى إشارات ثقة.
ما بعد واشنطن… هل بدأنا فعلًا بناء الاستقرار؟
ما يميز زيارة مسرور بارزاني هذه المرة أنها ليست من النوع الذي ينتهي بمجرد العودة إلى الوطن. على العكس، بدا أن ما بعد العودة أهم من الزيارة نفسها. فحزمة العقود، واللقاءات، والعناوين التي حملها الوفد الكوردستاني، كلها تؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الاقتصاد، وربما تمهّد لمسارات سياسية أكثر استقلالًا.
ما يُلفت أيضًا هو أن الزيارة جاءت مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، وسبقتها جولة خليجية. لكن، على الرغم من ذلك، بدت زيارة بارزاني أكثر وضوحًا من حيث الأهداف، وأكثر واقعية من حيث النتائج، وأقوى في رسائلها. وهذا ما جعل كثيرين يتساءلون: من الذي قدّم النموذج الأكثر إقناعًا؟ وهل أصبحت كوردستان اليوم أكثر جرأة في التعبير عن نفسها دوليًا؟
من البعد الرمزي إلى العمق العملي
شخصيًا، توقفت عند هذا التحول. فالمسألة لم تعد مجرد علاقات سياسية، بل دخول مباشر في ملفات تخص حياة المواطن: الطاقة، الدخل، الثقة، الاقتصاد، فرص العمل
وهنا يكمن الفرق بين زيارة تُعرض في الأخبار وتُنسى بعد ساعات، وزيارة تترك أثرًا طويلًا وتتحول إلى عنوان استراتيجي في ملف العلاقات الدولية.
بل، أقولها صراحة: زيارة مسرور بارزاني إلى أمريكا هي واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية الكوردستانية خلال السنوات الأخيرة، لأنها وضعت كوردستان على خارطة المصالح، لا الشعارات فقط، وجعلت من الحلم الاقتصادي مشروعًا قابلًا للتطبيق.
خاتمة
نحن نعيش اليوم في لحظة فارقة. لحظة تتحول فيها الإدارة إلى رؤية، والسياسة إلى أدوات إنتاج، والدبلوماسية إلى مفاتيح لبناء الاقتصاد. ومن هنا، فإن زيارة رئيس وزراء إقليم كوردستان إلى الولايات المتحدة، بما حملته من اتفاقيات طاقة ومعاني سيادية، تمثل أكثر من مجرد خبر سياسي، بل خطوة شجاعة نحو كوردستان جديدة… تعرف ماذا تريد، وكيف تحققه
كوردستان24
