في يوم الصلاة الوطني: بارزاني يجدد نداء الوحدة والعيش المشترك
د.ابراهيم احمد سمو
في لحظة رمزية زاخرة بالدلالات، أطلّ الرئيس مسعود بارزاني في “يوم الصلاة الوطني” الذي أقيم في أربيل، ليلقي خطاباً تجاوز الإطار السياسي، ليجسّد رؤية راسخة ومتجذّرة في تجربة نضالية ممتدة، قامت على قيم التعايش، والتسامح، والوفاق بين مختلف مكوّنات كوردستان.
كلمته لم تكن مجرد حديث عابر، بل كانت تعبيراً عن مدرسة فكرية واضحة، تمثّلها البارزانيون جيلاً بعد جيل، تقوم على أسس إنسانية نبيلة، وفي مقدّمتها احترام الآخر، وترسيخ قيم الشراكة والمصير المشترك. لقد عبّر الرئيس، بعمق، عن حقيقة أن نهج كوردستان لم يكن طارئاً أو ارتجالياً، بل هو نتاج تربية سياسية وثقافية تعزّزت عبر التاريخ، وجعلت من كوردستان نموذجاً للتنوع البنّاء، لا للصراع.
في خطابه، استشهد الرئيس بالآية القرآنية الكريمة: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. [سورة الحجرات: 13]
في تأكيد لجوهر الإنسانية الجامعة التي تدعو للتعارف لا التناحر، وللرحمة لا العداوة. ومن هذا المنطلق، بدا جلياً أن الرئيس بارزاني يوظف الإيمان لا كأداة سياسية، بل كمنهج أخلاقي لإرساء السلم الأهلي وترسيخ التلاحم المجتمعي.
الرئيس بارزاني أكّد أن كوردستان لا يمكن أن تنهض أو تُصان إلا بوحدة مكوناتها، ووعي أبنائها بمسؤوليتهم الجماعية تجاه هذه الأرض. ففي عالم مضطرب، تعصف به الأزمات، وتنهشه الفتن، تظل الوحدة الداخلية هي الحصن الحصين والدرع الواقي. وقد قالها بصدق ووضوح : (كوردستان للجميع ) والجميع هنا مسؤولون عن الدفاع و الدعاء لها.
هذا النداء لم يكن خطاباً موجهاً للكورد وحدهم، بل لكل من يعيش على أرض كوردستان، أياً كانت قوميته أو ديانته أو مذهبه. فالوطن ليس ملكاً حصرياً لأحد، بل هو حضن جامع يحتضن الجميع. وهذه الروح هي التي جعلت من كوردستان ملاذاً آمناً ومكاناً تتلاقى فيه القلوب قبل الأجساد.
ولم تكن مشاركته في “يوم الصلاة الوطني” مجرّد حضور بروتوكولي، بل كانت تجسيداً لرؤية وحدوية ترى في الدين عاملَ جمعٍ لا تفريق، وفي الصلاة لغة سلامٍ لا مناسبة للفرقة. وقد شكّلت مراسم هذا اليوم لحظة إيمانية عابرة للطوائف، عبّرت عن حاجة الناس إلى الأمل في زمن كثرت فيه الخيبات.
لقد أثبتت كوردستان، على مدى العقود، أنها أرض التنوّع المحمي بقوة العقل والضمير، حيث يعيش الكورد إلى جانب العرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم، في ظلّ بيئة تحترم الخصوصيات وتحتضن الفوارق، لا تُقصي أحداً ولا تُهمّش أحداً.
ومن خلال خطابه، أعاد الرئيس بارزاني تأكيد أن وحدة كوردستان لا تتحقق بالشعارات، بل بالفعل المتراكم، وبالعمل المشترك، وبإرساء ثقافة التعايش كقيمة عليا لا تُمس. وأشار بذكاء إلى أن التغيّرات السياسية، مهما كانت، لا يجب أن تثير القلق، طالما كانت البوصلة ثابتة: الوحدة، والسلام، والشراكة.
واختار الرئيس التوقيت بعناية بالغة؛ ففي هذا المفصل الحرج الذي تمر به المنطقة، حيث اشتدت الأزمات، ومع وفاة بابا الفاتيكان، رمز السلام العالمي، وفي ظلّ استمرار خطر الإرهاب، واستذكار أكثر من اثني عشر ألف شهيد وآلاف الجرحى ومليوني نازح، بدت الحاجة ماسة إلى خطاب يجمّع لا يفرّق، يوحّد لا يشتّت. وهكذا جاءت كلمته مستندة إلى الدين، لا لتأجيج الصراعات، بل لتضميد الجراح، ودعوة إلى المحبة والرحمة.
ختاماً، لم يكن “يوم الصلاة الوطني” يوماً دينياً فحسب، بل كان محطة سياسية وروحية بامتياز، سلّطت الضوء على جوهر المشروع الكوردستاني القائم على الإنسان.“وكما جاء في أكثر من مناسبة، أكّد البارزاني أهمية هذا اليوم باننا لسنا في سباق مع أحد، لكننا في سباق مع ذواتنا كي نكون أفضل مما كنّا، وأرحب في احتضان من يختلف عنا.
وهذا هو جوهر الرسالة التي يحملها من يقود سفينة كوردستان اليوم: وحدة في التنوّع، قوة في التفاهم، وكرامة لكلّ إنسان، دون استثناء.
كوردستان24
