• Friday, 10 July 2026
logo

الكورد في مئوية ‹لوزان› .. قرن من الإجحاف والتهميش

الكورد في مئوية ‹لوزان› .. قرن من الإجحاف والتهميش

في 24 يوليو/تموز 2023، مر قرن على توقيع معاهدة ‹لوزان›، تلك المعاهدة التي أنهت الحرب العالمية الأولى ورسمت حدود تركيا الحديثة، ولكنها في الوقت نفسه أطفأت آمال الشعب الكوردي في إقامة دولة مستقلة أو ذات حكم ذاتي.

منذ ذلك الحين، عانى الشعب الكوردي من إجحاف وتهميش وانتهاكات لحقوقه الإنسانية والثقافية والسياسية من قبل الدول التي تسيطر على أراضيه، حيث أفرزت المعاهدة جملة من الآثار السلبية والتحديات التي لا زالت تواجهه في رحلته نحو تقرير مصيره والعدالة.

حرمان الشعب الكوردي من حقه في تقرير المصير
فقبل مئة عام، وقعت معاهدة لوزان التي أنهت الحرب العالمية الأولى وحلت الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، كانت هذه المعاهدة بمثابة ضربة قاضية لحلم الشعب الكوردي بالحصول على دولة مستقلة أو ذات حكم ذاتي في الشرق الأوسط.

فبدلاً من تنفيذ ما تضمنته معاهدة سيفر من وعد بإنشاء دولة كوردية، تجاهلت معاهدة لوزان مطالب الشعب الكوردي بالاستقلال أو الحكم الذاتي، وتسببت في تقسيم كوردستان إلى أربعة أجزاء بين تركيا والعراق وسوريا وإيران. وهذا التقسيم أثر سلبًا على هوية ووحدة الشعب الكوردي، الذي كان يتمتع بشعور قومي قبل معاهدة لوزان.

الاضطهاد والتمييز والعنف
ولم يكن تقسيم كوردستان هو الضرر الوحيد الذي لحق بالشعب الكوردي جراء معاهدة لوزان، بل تعرض هذا الشعب للاضطهاد والتمييز والعنف من قبل الحكومات التي سيطرت على أراضيه. فهذه الحكومات حاولت إنكار هوية الشعب الكوردي وإلغاء حقوقه الثقافية واللغوية والسياسية، وشنت حملات عسكرية ضده لقمع تمرده وثوراته.

ففي تركيا، اتخذت الدولة سياسة التتريك، التي تمنع الكورد من استخدام لغتهم وتعليمها وإعلامها وتسمية أبنائهم بأسماء كوردية، وتعتبر الكورد جزءًا من الأمة التركية وتنفي وجود قضية كوردية.

وفي العراق، تعرض الشعب الكوردي للإبادة الجماعية في ثمانينات القرن الماضي، عندما قام نظام صدام حسين بشن حملة الأنفال ضد المدن والقرى الكوردية، واستخدم فيها الأسلحة الكيميائية، مثل هجوم حلبجة في 1988، الذي راح ضحيته أكثر من خمسة آلاف شخص، وأصاب أكثر من عشرة آلاف بإصابات خطيرة.

وفي سوريا، سلب النظام السوري في عام 1962 ما يقرب من 120 ألف كوردي من جنسيتهم وهويتهم الوطنية، مما أدى إلى حالة من عدم الإنسانية والحرمان من الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة والعمل والزواج والملكية.

كما حرم الكورد من حقهم في الاستفادة من الموارد الطبيعية والثروات الموجودة في مناطقهم من قبل الدول المحتلة، دون إعطاء الشعب الكوردي حصة عادلة منها، حيث استفادت هذه الدول من الموارد الزراعية والصناعية والبترولية والمائية في المناطق الكوردية، بينما تركت الشعب الكوردي في حالة من الفقر والتخلف والإهمال.

وفي عام 2023، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا بعنوان «الشعب الكوردي: حقوق مهددة»، يستعرض انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها الشعب الكوردي في تركيا والعراق وسوريا وإيران.

تشريد ونزوح
وبسبب الحروب والصراعات والحملات العسكرية التي شنتها تركيا والعراق وسوريا وإيران ضد الشعب الكوردي، تشرد ونزح مئات الآلاف من هذا الشعب من مناطقه التاريخية، مما أدى إلى خسارة حياة وأرواح وأملاك له، وأثار مشاكل إنسانية وأمنية في المنطقة.

فحسب تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، هناك حوالي 40 مليون كوردي في الشرق الأوسط، منهم 15 مليون في تركيا، 8 ملايين في إيران، 6 ملايين في العراق، و3 ملايين في سوريا.

ومن بين هؤلاء، هناك ملايين اللاجئين والنازحين الذين فروا من الحروب والعنف والاضطهاد في بلدانهم، ووجدوا مأوى في دول أخرى أو في مناطق أخرى من كوردستان.

ففي تركيا، هناك حوالي 3 ملايين كوردي نازح داخليًا بسبب الصراع المسلح بين الجيش التركي وحزب العمال الكوردستاني. وفي العراق، هناك حوالي مليون ونصف كوردي نازح داخليًا بسبب الحروب ضد نظام صدام حسين وتنظيم داعش. وفي سوريا، هناك حوالي مليون كوردي نازح داخليًا أو لاجئ خارجيًا بسبب الحرب الأهلية والهجمات التركية. وفي إيران، هناك حوالي 200 ألف كوردي نازح داخليًا أو لاجئ خارجيًا بسبب القمع والإعدامات التي تمارسها السلطات ضد الأحزاب والحركات الكوردية.

آفاق وتطلعات
ورغم كل المصاعب والتحديات التي واجهها الشعب الكوردي جراء معاهدة لوزان وتداعياتها، فإن هذا الشعب لم يستسلم للظلم والقهر، بل ناضل من أجل حقوقه وحريته وكرامته بشجاعة وإصرار. وفي مسيرة هذا النضال، استطاع الشعب الكوردي تحقيق بعض الانجازات والنجاحات في مختلف المجالات، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاجتماعي أو الثقافي.

ففي عام 1991، أنشئ إقليم كوردستان في العراق، بعد انتفاضة شعبية ضد نظام صدام حسين، والذي حصل على حكم ذاتي معترف به دوليًا، وأصبح نموذجًا للديمقراطية والتنمية والتعددية في المنطقة، كما أثبت الشعب الكوردي قدرته على التألق في مجالات مثل التاريخ والثقافة والفنون، كما يظهر ذلك في كتب وأفلام ووثائقيات عن تاريخ وثقافة وفنون الشعب الكوردي.

وبعد مئة عام على معاهدة لوزان، يأمل الشعب الكوردي في تحقيق حل عادل وسلمي لقضيته، ويسعى لتعزيز موقعه ودوره في المنطقة والعالم، ويرغب في المساهمة في بناء عالم أفضل للجميع.

ولتحقيق هذه الآمال والطموحات، يشارك الشعب الكوردي في المفاوضات والحوارات مع الدول المجاورة والمجتمع الدولي، والتي تهدف إلى إيجاد حلول سياسية تحترم حقوق ومصالح الشعب الكوردي، وتضمن له حكمًا ذاتيًا أو فدراليًا أو دوليًا.

كما يتعاون ويتضامن الشعب الكوردي مع الشعوب والحركات الأخرى التي تناضل من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة في الشرق الأوسط والعالم.

وبالإضافة إلى ذلك، يدعم الشعب الكوردي التنمية والابتكار والتعليم والثقافة في كوردستان، والتي تسهم في رفع مستوى المعيشة والوعي للشعب الكوردي، وتظهر للعالم جانبًا آخر من هذا الشعب بخلاف صورة المقاتل أو المضطهد.

Top