• Thursday, 23 July 2026
logo

الاضطهاد اللغوي

الاضطهاد اللغوي

طارق كاريزي

 

شعوب عديدة تعيش في بلدان الشرق الأوسط. يأتون بحسب الثقل السكاني وفق الترتيب التالي: العرب، الأتراك، الفرس، الكورد، الآذريون، الأقباط.. الخ. وسكان هذه الجغرافية يتحدثون بقوس قزح لغوي واسع الطيف. فيما الجغرافية السياسية لهذه المنطقة لا تعبر عن الهوية الثقافية واللغوية للسكان. بل هناك تنوع لغوي وتداخل ثقافي وامتدادات أثنو- ثقافية تجتاز الحدود السياسية وتنتشر داخل أكثر من بلد من بلدان المنطقة، خصوصا الدول ذات الجوار الجغرافي. وهذا التداخل خلق اشكالية ثقافية أدت الى زعزعة الاستقرار في المنطقة ودولها.

الانظمة السياسية ودساتير دول الشرق الأوسط، تعاملت بتعال وفوقية مع التنوع الثقافي واللغوي لشعوبها، فارضة احدى اللغات على سائر اللغات الأخرى الموجودة في البلد. أغلبية بلدان الشرق الأوسط ذات التعددية الثقافية تعتمد لغة رسمية واحدة، وهي لغة الاثنية ذات السيادة في البلد، وهي بذلك تمارس الاقصاء والتهميش بحق باقي لغات وثقافات البلد. العراق وافغانستان هما البلدان الوحيدان في الشرق الأوسط اللذان يعترفان بلغتين رسميتين في البلد، العربية والكوردية في الأولى، البشتونية والطاجيكية (الدرية) في الثانية.

منح صفة اللغة الرسمية الوحيدة لأي لغة في الدولة ذات التنوع الثقافي، يمهد الدرب أمام تسيّد هذه اللغة على باقي اللغات الموجودة في هذه الدولة، ولا تقف الامور عند هذا الحد، بل يذهب لأكثر من ذلك، خصوصا اذا تم قانونيا ودستوريا فرض لغة واحدة بالقهر والاكراه على الناطقين باللغات الأخرى، وتذهب الأمور نحو المزيد من الايغال الى حد الصهر اللغوي واذابة التعددية الثقافية في بوتقة الأمة السائدة ذات السيادة في البلد. حقيقة انها سياسة عقيمة تعمق الخلافات وتهدر الثروات ومصيرها الفشل، حتى وان حقق نجاحات نسبية.

يمثل الكورد النموذج الأبرز للقهر والاضطهاد اللغوي في الشرق الأوسط. ابناء هذه الأمة وجغرافية موطنهم مقسم على أكثر من أربعة دول في الشرق الأوسط، ولم يتم الاعتراف بلغتهم وثقافتهم الا في بلد واحد وهو العراق. فالكورد الموزعين بملايين عديدة في بلدان الشرق الأوسط يعانون من الاضطهاد اللغوي. الطفل الكوردي عندما يدخل المدرسة يضطر الى تعلم لغة اخرى غير لغة امه، وعليه مواجهة تحدين في آن واحدة، من جهة عليه أن يتعلم لغة جديدة مفروضة على شعبه، ومن جهة اخرى عليه ان يجد ويسعى لتعلم مواد دروس المنهج أيضا. وهذا قهر لغوي يستوجب التخطي من خلال الاعتراف القانوني بالتعددية الثقافية ومن ثم المعالجة عبر تبني وتشريع قوانين تتيح حق التربية والتعليم للأطفال بلغة الأم، وأيضا حق الحرية الثقافية وتطوير التراث والمحافظة على الموروث الروحي والثقافي لجميع الاثنيات في أي بلد كان.

الانظمة الديمقراطية في الغرب تتيح للمهاجرين المحافظة على لغاتهم وثقافاتهم، فيما الانظمة الشرق أوسطية لا تطيق الاعتراف بثقافات أصيلة لأبناء البلد حتى وان كان وجود أصحاب هذه الثقافات قد سبق وجود أصحاب الثقافة السائدة تاريخيا. هذه اشكالية سياسية ذات بعد ثقافي تستوجب المعالجة دعما للاستقرار في هذه البلدان.   

 

 

 

باسنيوز

Top