الأزمة السورية والخطاب السياسي المتشرذم
عبداللطيف موسى
إن مسار الخطاب السياسي لأي دولة أو حزب أو كيان سياسي يحدد شكل ومفهوم توجّه ذلك الكيان، كما يحدد الخطوط العريضة والسياسيات العامة في شكل تعاملها، والأسس والأطر العامة في رسم علاقاتها الدولية وستراتيجيتها التي تنصب في خدمة مصالحها القومية العليا.
الخطاب السياسي يعتبر شكل من أشكال التوجه أو المسار في الاستخدام من قبل جماعة أو حزب سياسي معين من أجل الحصول على توجه أو سلطة أو نفوذ في تحقيق مكسب في صراع أو خلاف سياسي، وتكمن أهميته في أنه أداة ضرورية لعرض وجهات النظر والأطر العامة في رسم سياسته والمبادئ والأيديولوجيات التي يؤمن بها في خدمة القيم والمصلحة العليا.
يتميّز الخطاب السياسي بأنه خطاب يقوم على عملية الإقناع للجهة الموجه لها الخطاب، بالإضافة إلى تلقي القبول والاقتناع بمصداقيته. ويعمل بشكل أساسي على تقديم المعارضات والاحتجاجات على سياسية متبعة في المجتمع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى مقاومة هذه السياسة والنظام المتبع من أجل تغييره والحصول على نظام آخر، وكما يساعد في إخفاء الحقائق وتزييفها، وتقديم حقائق أخرى غير الموجودة والمتبعة من قبل أفراد معينين. وتقوم هذه الوظيفة على إعطاء السلطة لمجموعة معينة أو انتزاع السلطة من القائمين عليها.
في التشخيص للأزمة السورية طيلة سنواتها، والفشل الذي تحققه على كافة الأصعدة للخروج بحلول تفضي إلى إنهاء المعاناة وعودة سوريا الى مسارها الطبيعي في تعاملها الإقليمي والعالمي.
الخطاب السياسي المهزوز والمنقسم والمتشرذم بين السلطة والمعارضة المتمثلة في كياناتها السياسية المتنوعة ومنظمات المجتمع المدني. إن هذه المسالة في غاية الأهمية، لذا لا بد من الانتباه إليها، والعمل على تصحيح الخطاب السياسي للعودة به الى مساره والأهم في ذلك خدمة الشعب السوري.
بالنسبة للنظام السوري التعنت في خطابه السياسي من خلال عدم القبول والانفتاح على الغير في مناقشته بصبغته المتشددة، والتي تخدم أجنداته والحلفاء الداعمين له، وتمكنه من تعزيز سلطته وهيمنته، الأمر الذي حرّمه من كافة أشكال التعامل الدولي، بل زاد من حجم العقوبات الدولية عليه، والتي يدفع ثمنها الشعب السوري من فقر ومجاعة والإفتقار لأدنى مستويات الحاجات الأساسية.
المعارضة السورية بكافة مكوناتها خطابها السياسي لا يختلف من حيث الشكل والأسلوب عن خطاب النظام والذي يفتقر هو الآخر إلى الأسس والمفاهيم والأشكال والأطر التي تضعها في قالب يمكن صياغته بالشكل والأسلوب كي تخدم قضية الشعب السوري. وتعمل على إقناع كافة المنابر الدولية وتجمل صورتها أمام كل المهتمين بها. كل هذه التوصيف للخطاب السياسي لدى المعارضة والنظام يحصد الشعب السوري ثمنه في الإخفاق بحل قضيته على الصعيد الدولي، ويزيد من معاناته في الفقر والجوع.
الخطاب السياسي في كوردستان سوريا، والذي يشكل جزءاً وامتداداً جغرافياً من سوريا، لا يرتقي إلى المستوى الذي يخدم مصالح واحتياجات الشعب الكوردي، ولا يتناسب مع التطورات الميدانية المتسارعة في المنطقة، كما لا يلبي أدنى مستويات التعامل الدولي والاهتمام العالمي بقضية الشعب الكوردي ومعاناته عبر التاريخ.
الادارة الذاتية والمجلس الوطني الكوردي يتحتم عليهما القيام بمسؤولياتهما القومية والوطنية والأخلاقية والانسانية أمام شعبهم، بأن يسعوا إلى تعديل خطابهم السياسي كي يكون في مستوى التحديات التي تلبي حقوق الشعب في روجآفاي كوردستان.
الادارة الذاتية تقع على عاتقها المسؤولية الكبرى كونها تفرض سلطتها بحكم الأمر الواقع وتتصرف بمقتدرات الشعب، وتضع نفسها الوصي على الشعب، ومشكلة الادارة الذاتية برأيي والتي تسبب لها الكثير من الصعوبات والعراقيل أنها ليست بصدد القدرة في أن تفرّق بين خطابها السياسي والأيديولوجيات المستوردة خارج حدود روجآفاي كوردستان، تلك الأيديولوجية التي أتثبت طيلة سنوات الصراع في سورية بأنها لا تناسب واقع روجآفاي كوردستان، ولا تلبي حاجاته ومتطلباته القومية والوطنية والاخلاقية، بل هي مطالبة - أي الادارة الذاتية - أن تتخلى عن خطابها السياسي المتشدد تجاه الدولة التركية الذي لا يكاد ولا تمر مناسبة إلا وتنتهج الخطاب السياسي المتحدي والمواجه للدولة التركية، وبذلك تعطيها كل الحجج على احتلال المزيد من الأراضي في روجآفاي كوردستان في ظل الفرق الكبير في موازيين القوى العسكرية والسياسية، الأمر الذي يحدث شرخاً كبيراً بين خطاب مسؤوليها في الملف السياسي والعسكري.
في ملفها السياسي نرى بعض الأحيان مسؤوليها يتحدثون عن الانفتاح والدخول في حوار مع القوى الإقليمية بما فيها تركيا، أما المسؤولين عن الملف العسكري وما تسمى مؤسسات عوائل شهدائها وشبيبتها الثورية والمرأة تتحدث عن المواجهة الشاملة.
هنا يلاحظ المتتبع للشأن السياسي في سورية بأنه ثمة تناقضاً كبيراً في الخطاب السياسي لدى مسؤولي الإدارة الذاتية تلك، الأمر الذي يجعلها لا تناسب واقع الأزمة في كوردستان سوريا طلية سنواتها.
الخطاب السياسي للمجلس الوطني الكوردي، يحمل بين طياته الكثير من الإيجابية من حيث تلبيته لبعض من حقوق الشعب القومية والوطنية والأداء في العلاقات الخارجية، ولكن هذا الأمر لا يعفيه من بعض الخلل في مستوى أداء اللاعبين اللذين يواجهون الكثير من الخلل في أداء أدوارهم ومسؤولياتهم تجاه القسم الأكبر من الشعب في روجآفاي كوردستان والذي يمثله المجلس.
هذا الخطاب الذي وللأسف بعض مسؤولي المجلس الوطني الكوردي ليس في المستوى المطلوب لمواكبة حجم التحديات والاستحقاقات المستقبلية في تلبية طموحات الشعب لافتقارهم الى المستوى الاكاديمي والفكري والخبرة والتجربة العملية التي تجعلهم في مستوى التحديات.
لابد من إشراك الأكاديميين وأصحاب الشأن من الاختصاصين العمليين والقانونين والسياسيين وعدم تجاهل جيل الشباب والمرأة والابتعاد عن الانتقائية والمحسوبية والمحاصصة، بغية إعطاء الصورة الصحيحة للقضية القومية لكل المهتمين بها، وعرضها بصورتها التي تناسب واقع روجآفاي كوردستان في المحافل الدولية، واعطائها الكثير من الديناميكية كي تناسب توجهات والتعايش بين جميع المكونات السورية، الأمر الذي استشف منه تعليلي وتشخيصي لواقع الخطاب السياسي المنقسم في كوردستان سوريا، هو وإلى الآن لم نلمس أي اختراق ملموس في قضيتنا القومية في كوردستان سوريا، وليس بوسع الخطاب السياسي هذا أن يتناسب بأي شكل من أشكال في التعامل مع واقع الحكومة السورية ولا الدول الاقليمية كإيران وتركيا ولا حتى المعارضة السورية والتي تعطي بعض الوعود والتي لا تلبس أن تتراجع عنها في المسائل العروبة، كما لم يستطع هذا الخطاب إلى الآن إقناع المهتمين به من أميركا روسيا ولا حتى الاتحاد الاوربي بواقع وقضية شعبنا، وبأن كوردستان سوريا موطن للتعايش والمكان الذي يرعى المصالح الدولية وتجعلها تقاطع مصالحنا.
في المحصلة ومن خلال عرض وتشخيص واقع الخطاب السياسي المرير في كوردستان سوريا يمكن القول بكل بساطة بأنه خطاب منقسم على نفسه في الفكر والعقيدة القومية والوطنية، وكما لابد من إعادة تصحيحه وتوجيهه نحو مساره الذي يناسب واقع وحجم التحديات ويلبي حقوق الشعب في كوردستان سوريا لتمكنه من إعطاء صورته الصحيحة في جميع المحافل الإقليمية والدولية في ظل الرعاية القومية المستمرة من الرئيس مسعود بارزاني.
روداو
