• Thursday, 05 February 2026
logo

التربية.. والتعتيم

التربية.. والتعتيم

معد فياض

 

لنا أن نهنئ وزارة التربية لفتوحاتها الكبيرة.. أرجو ان لا يفهم القارئ الكريم هنا بأني أهنئ وزارتنا الموقرة لأنها هيأت أبنية مدرسية مقبولة، وليست نموذجية، ولا لأنها عملت على تأثيث هذه الأبنية بوسائل تعليمية ومقاعد (رحلات) متواضعة للتلاميذ، ولا لأنها بذلت جهودها لرفع مستوى التعليم ومحاربة تسرب الطلبة من مدارسهم، ولا لأن الوزارة عاقبت المعلمين (العصابيين) الذين يبرزون قوة عضلاتهم مع الأطفال وضربهم بقسوة للتنفيس عن أمراضهم النفسية.. لا. بل التهنئة لأن الوزارة اكتشفت سر انحدار مستوى التعليم وخرابه فأصدرت قراراً (العدد 9178) والصادر بتاريخ 17/5/2022، والذي أحالني إلى بيان صدر مؤخراً عن سلطات طالبان التي تحكم أفغانستان والتي قررت بموجبه منع الاختلاط بين الاناث والذكور في المقاهي والمطاعم والأماكن العامة، حتى لو كان زوج مع زوجته أو اخته أو أمه.

القرار الثوري لوزارة التربية العراقية، والتي ما زلت أتذكرها باعتبارها (وزارة التربية والتعليم)، واليوم يصح لنا أن نطلق عليها تسمية (التربية والتعتيم) لأنها عتمت على كل مصائب العملية التربوية والتعليمية وأصدرت قراراً لا يتماشى مع روح العصر، قرار افتخر كبار المسؤولين في الوزارة بإصداره، واعتبر إنجازاً تربوياً كبيراً لا تضاهيه انجازات الوزارة في تراجع مستويات التعليم وخراب الأبنية المدرسية وفساد المؤسسات التعليمية، يمنع ويحرم الاختلاط بين الجنسين في المعاهد الأهلية، وأن تكون الهيئات التدريسية من نفس جنس الطلبة، أي مدرسات للطالبات ومدرسين للطلبة، وبالتأكيد مثل هذا القرار سيخنق أية مبادرة مستقبلية تتعلق بالاختلاط في المدارس الحكومية، وقد يزحف على الجامعات الحكومية والأهلية.

قبل أن نناقش تداعيات قرار وزارة التربية المذكور أعلاه، دعوني أنشر هنا بعض الأحداث التي عاصرها آباؤنا، وأخرى عاصرتها وعشتها بنفسي، وهناك الكثير من الشهود الأحياء عليها.. منذ الأربعينيات كانت هناك مدارس خاصة مختلطة، ثم أن الجامعات العراقية ومنذ تأسيسها مختلطة، وأنتجت أجيالاً من الكفاءات وقادة المجتمع ومن كلا الجنسين، الذين خدموا في الطب والهندسة والآداب والاقتصاد والإدارة والتعليم والفنون وغيرها.. أجيال تتمتع بقيم أخلاقية راقية، وبممارسات اجتماعية صحيحة، ولا تعاني من أية أمراض نفسية.

في عام 1963 كان والدي، عبد المعبود فياض، رحمه الله، مدرساً للغة الانجليزية في ثانوية الرفاعي، وكان أهالي قضاء الرفاعي وقتذاك، وحتى اليوم، متشددين ومحافظين للغاية حيث تُجبر المرأة على وضع (البوشي) الأسود على وجهها إضافة إلى العباءة، ومع ذلك كان والدي يحاضر في متوسطة الرفاعي للبنات، وكان الأهالي، بالرغم من تحفظهم وتشددهم، موافقين على أن يعطي مدرس رجل محاضراته لبناتهم، بل كان والدي يحوز على احترام الأهالي الذين كانوا يطلقون على بيتنا (بيت الأستاذ)، وهي دلالة تقدير اجتماعية مهمة. وأتذكر بأننا قدمنا وقتذاك على إحدى قاعات مدارس القضاء مسرحية شاركت فيها طالبات في الدراسة الابتدائية دون أي اعتراض من الأهالي.

في نهاية الستينيات، انتقلت للدراسة في ثانوية أم قصر المختلطة، تصوروا ثانوية، الدراسة فيها من الأول متوسط وحتى التخرج من الاعدادية، أي في أوج سنوات المراهقة، تقع على أطراف محافظة البصرة (ميناء أم قصر)، وطلبتها اناث وذكور، بل أن الكادر التدريسي فيها كان من المدرسات والمدرسين، وما زلت أتذكر بتقدير عال مدرساتي الراقيات: ست حذام التي كانت تدرسنا الجغرافية، وست هيفاء التي درستنا علوم الأحياء، وست خالدة التي كانت متميزة في تدريسنا اللغة الانجليزية، وغيرهن اللواتي كن يعلمننا دروساً في فن التعامل الراقي مع الطالبات إضافة إلى المواد العلمية، دون أن أنسى فضل مدرسينا علينا في هذه المرحلة المهمة من حياتنا.

لا أتذكر حدوث أية مشكلة حقيقية بيننا، كطلاب، وبين الطالبات، بل على العكس تماماً، كانت تربطنا علاقات صداقة وأخوة متينة، امتدت لتكون علاقات طيبة بين عوائلنا، فالدراسة لست سنوات تخللتها سفرات وأنشطة أدبية وفنية ورياضية ودعوات في بيوتاتنا، كونت علاقات متينة بعضها قائم حتى اليوم بالرغم من أن الحياة أخذتنا في تشعباتها ومفارق طرقها، ومن الطريف أن أذكر هنا عندما كنا في الصف السادس العلمي، كان عدد الطلاب غير كاف لتشكيل فريق لكرة القدم للمشاركة في دوري الثانوية، لهذا استعنا بثلاث زميلات للعب معنا في مواقع: حماية الهدف والدفاع، وبذلك نكون أول فريق مختلط بين الاناث والذكور لكرة القدم في عموم العراق.. وحتى اليوم أشير إلى سنوات ثانوية أم قصر باعتبارها من أجمل سنوات عمر دراستي وحياتي، بل أن الدراسة المختلطة علمتنا الكثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية الراقية وبناء علاقات صحية ونقية بيننا وبين الطالبات، وهيئتنا للذهاب إلى الجامعات ونحن نتمتع بقيم صحيحة للدراسة المختلطة في بدايات مرحلة الشباب، وهذه التأثيرات الإيجابية ما زالت سارية حتى اليوم.

لا نريد هنا أن نذَكر الوزارة المعنية بأن مهمتها (التربية) و(التعليم)، ولا نريد أن نعرفها بأن مفهوم التربية يجب أن يقوم عليه متخصصون في علم النفس والاجتماع وليس أشخاصاً موتورين يحملون العصي ويضربون الأطفال بقسوة ووحشية إلى حد أن يفقد بعض التلاميذ حاسة السمع لأنه تلقى ضربات مبرحة من معلم اعترف بأنه "عصبي لأنه كان صائماً"، و"عصبي" تعني أنه مصاب بمرض عصابي ولا يصلح إلا أن يكون نزيلاً في مستشفى الأمراض العصبية وليس معلماً يساهم بتربية وتعليم الأطفال، وعلى شاكلة هذا المعلم "العصبي" هناك المئات أو ربما الآلاف ومن كلا الجنسين.

نتساءل هل تحملت وزارة التربية عناء كشف الفساد في أروقتها، وتساءلت من المتسبب بخراب الأبنية المدرسية التي لا تصلح لأن تكون مدارس، وغياب الوسائل التعليمية ومقاعد الطلبة، وهل راجعت المناهج التي تُلقن للتلاميذ؟ وغيرها من الأسئلة التي تتعلق بهبوط معدلات التعليم من أفضل أساليب عام 1977 حسب تقارير اليونسيف واليونسكو إلى أسوأ المعدلات بحيث أخرجت العراق من تصنيف جودة التعليم الدولي أو العربي.. أليس من الأجدر على وزارة التربية الموقرة أن تعالج مثل هذه المعضلات التي تتعلق بواقع التعليم ومستقبله ومستواه وأسلوب تعامل المعلم مع التلاميذ ومستوى الأبنية المدرسية من أن تجهد نفسها في محاربة الاختلاط باعتباره بدعة واستجابة لأحزاب الإسلام السياسي والمتاجرين في الدين والقيم الأخلاقية.

ليس جديداً أن نقول هنا إن كل الدراسات والبحوث التربوية، العراقية والعربية والغربية، تؤكد على أهمية الاختلاط بين الجنسين في جميع المراحل الدراسية، ولا بأس من وجود مدارس مخصصة للاناث وأخرى للذكور لمن يجد هذا مناسباً لابنته أو ابنه، على أن يتم تعيين باحثين اجتماعيين متخصصين في جميع المدارس لمساعدة الطلبة والإدارات المدرسية على حل المشاكل التي تسود العلاقات بين الطلبة أنفسهم أو بين الطلبة ومعلميهم أو مدرسيهم، وهذه تجربة ليست جديدة أو مبتكرة بل قائمة في جميع مدارس الدول العربية والغربية، وأعتقد أنه كان معمولاً بها في المدارس العراقية، لكن مشكلتنا الكبرى في العراق هو أن المجتمع لا يتراجع بل يتأخر حضارياً.. والمشكلة الأكبر اننا نترحم على عقود مضت كان العراق فيها مناراً للتربية والتعليم والثقافة والرقي الاجتماعي.

 

 

روداو

Top