• Thursday, 05 February 2026
logo

البارزانيون رجال دولة

البارزانيون رجال دولة

معد فياض


واحدة من ابرز انجازات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي يحتفل اليوم بمرور 75 عاماً على تأسيسه، والتي ساهمت بديمومته وتجدده واستمرار عطائه، هو خلقه لقيادات شابة ورجال دولة، وهذا ما عجزت عنه جميع الاحزاب السياسية العراقية منذ تاسيسها ومن ثم انحدارها، توقف بعضها عن العمل السياسي، وفشل الاخرى في ادائها الجماهيري والسياسي دون ان تصنع قيادات متجددة او رجال دولة، بل كرست لدكتاتوريات تشبثت بسلطة الحزب. وباعتقادي ان على جميع الاحزاب السياسية العراقية التقدمية ان تدرس التجربة الناجحة للحزب الديمقراطي الكوردستاني وتنتهج اسلوبه في نواحي كثيرة.

كان اعداء الثورة الكوردية يراهنون واهمين على فشل الحزب االديمقراطي الكوردستاني، ويطلقون توصيفات تعشعش في رؤسهم المريضة ضد (البارتي)، كونه حزب قومي محدود الاهداف، وراهنوا على فشله اذا ما فشلت الثورة الكوردية ولم يحقق اهدافه وشعاراته التي قاتل من اجلها ووعد جماهيره بها، لكن الحزب ومنذ تأسيسه من قبل الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني، وحتى تسنم قيادته من قبل نجله الزعيم مسعود بارزاني، الذي رافق مسيرة والده منذ ان كان عمره 14 عاما خيب بصموده وشجاعته ووضوح اهدافه ومبادئه، كل اعدائه داخل العراق وخارجه، وفي ذات الوقت افتخر انصاره بانجازاته وكسب المزيد من الجماهير.

بالتأكيد ان الحزب الديمقراطي هو حزب قومي كوردي، لكنه ليس متشددا في قوميته أو شوفينيا، مثلما الاحزاب القومية العربية، فقد تأسس الحزب عام 1946، تحت اسم (الحزب الديمقراطي الكوردي)، لكن في المؤتمر الثالث بتاريخ 26/1/1953 الذي عقد في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) ليؤكد انفتاحه امام بقية القوميات التي تقطن كوردستان، كما انه لم يحدد انتمائه القطري، عراقي او تركي او ايراني او سوري، او في الديانة، كون كوردستان، سواء كانت الكبرى او كوردستان العراق، تضم العديد من القوميات والاديان، لهذا نجد بين اعضائه الكوردي، والتركماني والعربي والمسلم والمسيحي والايزيدي والصابئي والكاكائي.

هذا يؤشر لنا اهم جانب فيما نذهب اليه في هذا المقال، وهو ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني آمن منذ بداياته بمبدأ التجديد بما يتماشى مع الاوضاع المحيطة به كي لا يبقى اسير افكار محددة، دون ان يثلم ذلك من عقيدته ومبادئه واهدافه الاساسية بالدفاع عن حقوق شعب كوردستان المشروعة، بل على العكس تماما، ان التجديد في اساليب وستراتيجيات الحزب جاءت، وتاتي دائما لصالح هذه الاهداف وتصب في مجرى ديمومته واستمراريته وتمنحه القوة والعمق والاتساع جماهيريا.

كان زج مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني، الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني، نجليه، الراحل ادريس بارزاني ومسعود بارزاني، اللذان التحقا مبكرا بالثورة الكوردية، في مهمات وتجارب ثورية وسياسية في آن واحد، أولى المبادرات الجادة في خلق قيادات شابة للحزب، ومن ثم اختيار مسعود بارزاني لزعامة القيادتين السياسية والعسكرية لـ (البارتي) مؤشرا مهما على ان هذا الحزب اختط لمسيرته التجدد والبقاء في سوح النضال وتهيئة للانتقال من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة، بعد ان تتحقق المطالب المشروعة للكورد ولكل الكوردستانيين، وخاض الزعيم مسعود بارزاني جولات سياسية صعبة ومعقدة اسس خلالها علاقات محلية وعربية ودولية واسعة من اجل القضية الكوردية، وكما انتصر عسكريا، برفقة مقاتليه الشجعان، محققا انجازات سياسية واسعة ومهمة.

ان واحدة من اكثر الامور صعوبة وتعقيدا هو ان يمزج القائد الثوري، بين العقلية الثورية وبين الفكر السياسي مع حفاظه وتمسكه بقوة بمبادئه التي نشأ عليها، وان الانتقال من ساحات القتال ورفقة السلاح في العمل الثوري الى ميادين النضال من اجل بناء الدولة، ويشهد التاريخ فشل الكثير من القادة العسكريين او الثوريين في التحول من مرحلة النضال الثوري الى مرحلة تاسيس الدولة وبنائها وفق اساليب حضارية متطورة، وفي ذات الوقت العمل بحرص بالغ على زج قيادات شابة لتأخذ دورها في عملية التاسيس والبناء والمضي بالعملية السياسية الى امام، وهذا ما حققه وبجدارة الزعيم مسعود بارزاني، عندما اصر على قيام اقليم كوردستان ككيان دستوري شبه مستقل ومعترف به عراقيا وعربيا ودوليا، وفي ذات الوقت تكليف المناضل نيجيرفان بارزاني بمهمات سياسية وادارية عملية كقائد سياسي شاب، وانتخابه نائبا لرئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، من جهة، وتحمله مسؤولية رئاسة حكومة الاقليم منذ عام 1999، وهي واحدة من اكثر مراحل كورد العراق صعوبة وتعقيدا، حيث الاقليم، الذي لم يكن وقتذاك قد اعلن رسميا ودستوريا، بلا اية امكانات مادية، ومحاصر باعاصير محلية وأقليمية، وليتحمل مسؤولية ازاحة غبار معارك وحروب عقود طويلة، وتكفيف دموع الامهات والزوجات والابناء، وتحويل حالات خيبة الامل الى عزيمة جبارة للبناء والاعمار، والنهوض بالاقليم وبنائه ووضعه سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا واجتماعيا على واجهة خريطة العالم.

اتذكر هنا سؤال وجهه لي احد الامراء من ابناء العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، في لندن بعد قراءته لحوار صحفي كنت قد اجريته مع نيجيرفان بارزاني عندما كان رئيسا لحكومة الاقليم، وكان متابعا لانجازاته بارزاني، قال "استغرب ان يكون في العراق شخص كوردي عراقي مثل نيجيرفان بارزاني ولا يتم اختياره او انتخابه او تكليفه كرئيس للوزراء ليقوم بعمليات البناء مثلما فعل باقليم كوردستان"، اجبت "بكل بساطة بسبب المحاصصات الطائفية والقومية والفساد هو ما يمنع وصول رجل كفوء وجدير لرئاسة وزراء العراق مثل نيجيرفان بارزاني".

إذ سرعان ما عُرف الرئيس الشاب لحكومة اقليم كوردستان، آنذاك، نيجيرفان بارزاني، وبعد فترة ليست طويلة من البدء بانجازاته العملاقة، عربيا ودوليا، ناهيك عن معرفته من قبل العراقيين جميعا، كرجل دولة وبناء وعلاقات دبلوماسية متوازنة من الطراز الاول، في وقت يفتقر فيه العراق منذ نهاية العهد الملكي بعد انقلاب 14 تموز 1958 وحتى اليوم لرجل دولة بمواصفات رئيس الاقليم، بارزاني.

ان خلق رجال دولة مسالة مبدأية بالنسبة للحزب الديمقراطي الكوردستاني، من اجل ديمومة الحزب والاقليم ورفاهية الشعب، والحفاظ على ما تحقق بفضل تضحيات عشرات الالاف من ابناء شعبنا الكوردي، وعملا وفق هذا المبدأ تم زج السياسي الشاب مسرور بارزاني في مهمة رئاسة حكومة الاقليم بعد ان تمت تهيئته اكاديميا وعمليا، اضافة الى ايمانه، منذ وقت مبكر من حياته، بمبادئ الثورة الكوردية والحزب والعقيدة البارزانية التي تجري في دماء كل البارزانيين ومن يندمج معهم ويناصرهم، لهذه المهمة الصعبة، بعد ان تم انتخاب نيجيرفان بارزاني رئيسا للاقليم، ليمضي في طريق الانجازات الحضارية والبناء لرفعة شأن الاقليم وأهله.

Top