تركيا تعطّش كوردستان سوريا
بعد أن قطعت عشر عوائل في حي الصالحية بالحسكة الأمل في عودة إطلاق الماء من محطة علوك، اجتمعت لتتشارك في حفر بئر ماء سعياً للحصول على الماء العذب والنجاة من العطش في حر هذا الصيف. هذه المحاولة لم تأت من هذه العوائل العشر وحدها بل هناك عشرات أخرى من العوائل لجأت إلى هذه المحاولات.
"منذ أن تم قطع الماء في المرة الأخيرة، تم حفر 500 بئر، وتقوم كل آلة حفر آبار بحفر بئر أو اثنين يومياً"، هذا ما قاله نزار توبال الذي يملك آلة لحفر الآبار.
لو أنك ذهبت إلى الحسكة لشاهدت في كل أحياء هذه المدينة مشهداً يتكرر، وهو عبارة عن مواطنين يحملون أوعية مختلفة وهم يبحثون عن الماء.
سيطرت تركيا منذ تشرين الثاني الماضي على المصدر الرئيس الذي يغذي محطة علوك بالماء، ومنذ ذلك الوقت تم قطع الماء سبع مرات عن 1.2 مليون نسمة اضطروا للبحث عن الماء ونقله في أوعية وصهاريج.
عبدالعزيز عزالدين الذي يقطن واحداً من أحياء الحسكة، قال لرووداو إنهم يبتاعون ألف لتر من الماء بخمسة آلاف ليرة سورية، "فالناس بلا ماء، ولا أحد يعينهم، لقد بات الأمر أشبه بسياسات حافظ الأسد السابقة، ونحن نعرف لماذا يفعلون بنا هذا، لكي لا نفكر في شيء غير الماء".
حركة صهاريج الماء الصالح للشرب ازدادت أكثر من ذي قبل، وهي تبيع برميل الماء (200 لتر) بألف ليرة، فبينما كانت محطة علوك تضخ فيما سبق 120 ألف متر مكعب من الماء إلى الحسكة باتت الكمية التي تضخها الآن لا تبلغ 30 ألف متر مكعب.
خصص تلفزيون رووداو نشرة الحادية عشرة من يوم 12 تموز 2020 لندوة تتناول مشكلة شحة المياه في كوردستان سوريا، وكانت الرئيسة المشتركة لدائرة ماء الإدارة الذاتية، سوزدار أحمد، واحدة من ضيوف النشرة وكشفت أن الحسكة بحاجة إلى 80 ألف متر مكعب من المياه في اليوم، لكن لم يصل حجم تغذيتها بالمياه في الأيام الأخيرة إلى خمسة آلاف متر مكعب.
لم تر الرئيسة المشتركة لدائرة ماء الإدارة الذاتية حلاً سريعاً للوضع سوى حفر آبار، وقالت "بدأنا بحفر آبار وقد أكملنا حفر 50 بئراً، ونحن بانتظار إعادة فتح الحدود لتوفير لوازم توزيع مياه الآبار وتشغيلها"، وأشارت إلى أن لديهم مشروعاً ستراتيجياً لنقل المياه في المستقبل لأن "حفر الآبار ليس بحل. كما أن حفر كل هذه الآبار له أضرار مستقبلية" على حد قولها.
رغم إطلاق جزء من ماء سد علوك يوم السبت، فإن سوزدار أحمد تقول إنه لا ضمانات لاستمرار تدفق المياه "فقبل أن أشارك في برنامجكم أبلغوني بأنه تم قطع الماء من جديد".
ويرى المتحدث باسم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لقمان أحمي، أن ما تقدم عليه تركيا تجاه شعب كوردستان سوريا حرب سياسية "فالسياسة التركية تقضي بتعطيش مقاطعات روجافا"، ويعزو سبب ذلك إلى قيام روجافا بشراء القمح من المزارعين بالدولار وليس بالليرة وقيامها بزيادة رواتب موظفي روجافا.
تعاني أحياء من قامشلو في روجافا من مشكلة شحة المياه، فالأحياء الكبيرة مثل الحي السياسي والكورنيش وقودوربك تزود بالماء مرة كل يومين ولفترة قصيرة، وعن هذا قال عضو إدارة مياه قامشلو، بيار عبدالرحمن، لشبكة رووداو الإعلامية إن قطع مياه علوك من جانب تركيا أثر على مقاطعة قامشلو أيضاً.
بعد أن احتل الجيش التركي والفصائل المسلحة الموالية له رأس العين، بدأت مشكلة شحة مياه الشرب تتفاقم يوماً بعد يوم في كوردستان سوريا، إذ سيطرت تلك الفصائل المسلحة على محطة علوك لضخ المياه والتي تقع على مسافة 10 كيلومترات إلى الشرق من رأس العين وتوفر مياه الشرب للمنطقة.
قبل سيطرة الفصائل المسلحة على محطة علوك، كانت المحطة تضخ يومياً 175 ألف متر مكعب من الماء إلى الحسكة والقرى الواقعة إلى الجنوب منها وتل تمر، وكانت هذه الكمية من الماء تسد حاجة 1.2 مليون نسمة للماء. إلا أن المحطة باتت الآن وفي أحسن الأحوال تضخ 20 ألف متر مكعب من الماء إلى مدينة الحسكة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 650 ألف نسمة، وهذه الكمية تعادل ربع حاجة المدينة التي تحتاج في أقل تقدير إلى 80 ألف متر مكعب من الماء يومياً. كذلك يتم شهرياً نقل 10 آلاف متر مكعب من المياه بواسطة صهاريج إلى منطقة الشهباء التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من 150 ألف نسمة.
الذريعة التي تتذرع بها الفصائل المسلحة لقطع مياه محطة علوك، هي قولها إن قوات سوريا الديمقراطية لا تزود تل أبيض ورأس العين بما يكفي من الطاقة الكهربائية، ولهذا فإنهم يعمدون إلى قطع الماء.
وبينما يتم تزويد تلك المناطق بالكهرباء من سد تشرين الذي يقع على نهر الفرات في منبج، فإن تركيا لا تلتزم باتفاقية إطلاق 500 متر مكعب من الماء في الثانية التي أبرمتها مع الحكومة السورية في وقت سابق، ما أثر تأثيراً مباشراً على إنتاج الطاقة الكهربائية من سد تشرين وبروز أزمة المياه في عموم كوردستان سوريا.
يتم مثلاً توفير المياه لمنطقة ديريك من 50 بئراً تنتج مجتمعة 12 ألف متر مكعب من الماء يغطي حاجة المدينة بالكامل، لكن 37 من هذه الآبار لا تستطيع العمل بدون توفير الطاقة الكهربائية لها من الشبكة الوطنية، وعندما يكون هناك زخم على محطة كهرباء سويديك، لا يتم توفير الكهرباء اللازمة لهذه الآبار وبالتالي لا توفر الآبار المياه اللازمة للمنطقة.
توجد في عموم منطقة الجزيرة بكوردستان سوريا عشرة سدود تخزن مجتمعة 700 مليون متر مكعب من المياه، لكن بعد تسع سنوات من الفوضى والحرب الأهلية في سوريا، باتت المنطقة تعاني من شحة المياه، ويتوقع أن يؤدي ذلك إلى كارثة إنسانية في المنطقة وبروز أزمة المياه بعد انتهاء الحرب فيها.
ما تفعله تركيا في الحسكة لا يرقى إلى مستوى حرب المياه التاريخية بينها من جهة وبين سوريا والعراق من الجهة الأخرى، فقد طفت إلى السطح الخلافات على مياه نهر الفرات وحصة كل بلد من هذا المصدر المائي المهم، وتراجع منسوب مياه النهر في سوريا إلى أقل من ربع حصتها.
يعد قطع تدفق المياه من دولة إلى أخرى انتهاكاً للقوانين الدولية، وما تقدم عليه تركيا انتهاك لاتفاقية سنة 1987 بينها وبين سوريا عندما اتفقت الدولتان على أن تطلق تركيا لسوريا 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات.
كان المحلل حسن مسعود أوندر، مشاركاً من أنقرة في ندوة رووداو، وقال: "هناك قرار واضح للاتحاد الأوروبي يخص استخدام مياه دجلة والفرات، لكن تركيا ليست من الموقعين على ذلك القرار"، ورأى هذا المحلل التركي أن تركيا تتبع سياسة متوازنة في مجال استخدام مياه دجلة والفرات، لكنه رداً على سؤال بخصوص علاقة قطع المياه بهذا التوازن في السياسة التركية، قال: "يحق لدولة المنبع أن تستخدم المياه كيفما تشاء، لكن لا ينبغي لها أن تعطّش العراق وسوريا"، وأضاف: "لم تكن للعراق وسوريا ستراتيجية مياه، فمياه دجلة والفرات تجتاز ألف كيلومتر في أراضي البلدين، لكنها تذهب سدى ولا تفيد منها الدولتان بما يخدم المستقبل".
في العام 1989 وقعت تركيا والعراق وسوريا اتفاقية تحدد حصة العراق السنوية من مياه الفرات بنسبة 58% (أي أكثر من تسعة مليارات متر مكعب) وحصة سوريا بنسبة 48% (نحو 6.7 مليار متر مكعب) وحصة تركيا السنوية هي 15.7 مليار متر مكعب. ثم أقدمت سوريا في 1994 على تسجيل الاتفاقية في الأمم المتحدة لتتخذ طابعاً دولياً إضافة إلى اتفاقيتي 1966 و1997 الدوليتين اللتين تعنيان بتنظيم حصص الدول المتشاطئة من المياه.
المحلل السوري طالب زيفا، من دمشق عبر سكايب، وقال عن الاتفاقيات التركية – السورية بخصوص المياه: "لم تلتزم تركيا قط بتلك الاتفاقيات وسببت لنا المشاكل، فهي لم تكتف باحتلال الأرض بل تمادت لتحتل المياه وعمدت إلى تعطيش المنطقة من خلال حرب المياه ومحاولات التغيير الديموغرافي".
خلال الخمسين سنة الأخيرة، وقّعت الدول المتشاطئة على 150 اتفاقية حول المياه في المقر العام للأمم المتحدة، وتركز الأمم المتحدة على مراقبة الاتفاقيات بدون أن تتدخل وتترك أمر حل المشاكل للدول المعنية نفسها.
مصدر قلق دول المنطقة هو أن تعمد تركيا التي بدأت تمد أطرافها إلى معظم أنحاء المنطقة بدءاً بالعراق وسوريا وشرق أفريقيا (الصومال والسودان) وصولاً إلى ليبيا في شمال أفريقيا إلى استخدام مصادر المياه كورقة ضغط لحسم القضايا التي لا تستطيع حسمها في ميادين الحروب وباستخدام السلاح.
روداو
